Email: elie@kobayat.org Back to Table of Contents

الجزء الأول:

ـ الفصل الأول : نشأة الشيخ أنطونيوس
ـ الفصل الثاني : زعيم في القبيات وعكار
ـ الفصل الثالث : عمله السياسي
ـ الفصل الرابع : مـواقفه خـلال أزمـة
1985 وحرب السنتين (1975 ـ 1976)
ـ الخاتمة
ـ
المراجع

الجزء الثاني: الوثائق (المنشورة لأول مرة)

الجزء الثالث: شهادات خطية وأقوال عن الشيخ أنطونيوس

القامة... والقيم - الفصل الرابع

مواقف الشيخ انطونيوس

خلال أزمة 1958 وحرب السنتين "1975 ـ 1976"

 "كان من خيرة المخلصين للصلح والوفاق بين الجميع. كنا نعقد مجلس أمن في منزله. كان من خيرة الناس. كنا نعقد عدة اجتماعات في هذا البيت الكريم الذي يحافظ على الجيرة. نحن كنا نرتاح إليه ونؤمن بما يقول ونفوضه حل الخلافات".

النائب السابق الشيخ علي حمد جعفر

 

"كان مرجعية وقراراته كانت تعكس الحكمة وكنا نشعر من خلال اتصالاتنا مع الناس أنهم يلتزمون بما يقوله لهم الشيخ أنطونيوس. كان يحل مشاكل المنطقة ومشاكل البلدة. كان موضع ثقة عند الناس وعندنا... الاجتماعات مع الشيخ أنطونيوس كانت أفضل سبيل لتمكننا أن نتعرّف على كل شخصيات المنطقة...".

العميد المتقاعد اللبناني فهمي حمدان،

متكلماً عن فترة وجود الجيش في القبيات عام 1958.

 

موقفه خلال أزمة 1958 "نحن مع أبنائنا في الجيش"

اندلعت أحداث العام 1958 في بيروت، وكانت الشرارة الأولى فيها مقتل الصحافي نسيب المتني. ومن الأسباب الهامة التي أدّت إلى قيام تلك الأزمة، ما كان يمت إلى الداخل اللبناني، وغيره ما كان مرتبطاً بالوضع العربي والدولي. داخلياً فإن موقف السلطة خلال انتخابات 1957 ساهم في ازدياد عدد المعارضين لسياسة رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون. وخارجياً، فإن انقسام العالم العربي إلى محورين: محور موالٍ للغرب تزعمه العراق، ومحور ثانٍ تزعمته مصر بقيادة عبد الناصر، مع ما استتبع ذلك من محاولات استقطاب الدول العربية، وانعكاساتها هذه الأخيرة على الشارع العربي، أضف إلى ذلك دخول لبنان في مبدأ ايزنهاور (الرئيس الأميركي آنذاك) وموقفه من حلف بغداد، هذه الأسباب وغيرها أدّت كلها إلى انفجار الوضع في لبنان. ولم تشكل عكار استثناءً في حالة الغليان تلك، إذ رمت الأزمة بثقلها على أبنائها، فمنهم من انضم إلى الثورة ضد رئيس الجمهورية، ومنهم من كان موالياً لرئيس الجمهورية،  وآخرون آثروا عدم المشاركة والبقاء على الحياد؟.

ماذا كان موقف القبيات خلال تلك الأزمة؟

عرف أبناء القبيات تاريخياً، باحترامهم لجيرانهم وإقامتهم علاقات صداقة وأخوة معهم. وفيما يتعلق بذواتهم، فإنهم عرفوا باحترام النفس، والمحافظة على كرامتهم، ودفاعهم عن أنفسهم.

هذا على صعيد القناعة الأساس. أما ما يرتبط بموقفهم خلال تلك الفترة، فيمكن القول إنه برز شبه إجماع على صعيد القيادات والشعب في القبيات، على عدم الانضمام إلى الثورة، والإبقاء على حيادهم في الصراع الدائر آنذاك في لبنان. قلنا شبه إجماع لأن هناك فريقاً في القبيات، لأسباب خاصة به، قرر الوقوف مع الثورة. وكان الشيخ أنطونيوس، وغيره من الزعماء في القبيات وشرائح واسعة من الأهالي يحترمون هذا الرأي المغاير لرأيهم. واستمر التعاون والعلاقات الطيبة التي كانت تربط الشيخ أنطونيوس بالمسؤولين عن هذا الفريق.

في مواجهتهم لحالة الثورة، كان من الطبيعي لأبناء القبيات ولكل لبناني أن يتذكر القول المأثور "عند انحلال الحكم أحفظ رأسك"، وتساءلوا عن السبل الكفيلة بإبعاد الانعكاسات السلبية عنهم. هذه الانعكاسات وصفتها وثيقة تاريخية وقّعها الزعماء كمال جنبلاط ومعروف سعد وكامل الأسعد وجان عزيز، ونصّها هذا الأخير، في أيار 1958، وقد أشارت إلى أن "عملاء السوء راحوا يوطئون في الأراضي اللبنانية لفتنة طائفية تأباها الكثرة الساحقة من أبناء الشعب وينفر منها كل ذي ضمير حي، وذلك بافتعال حالة من القلق والذعر...".

شعر الشيخ أنطونيوس بهذه المسؤولية المضاعفة الملقاة على عاتقه، وعاتق غيره، وهي مسؤولية الحفاظ على أمن الناس، وعدم إفساح المجال أمام أي مستغل لظروف الثورة، أن يلحق الأذى، مهما كان نوعه، بأبناء القبيات. وكان من الطبيعي أن يفكر ملياً بهذا الموضوع، ويتشاور مع الجميع، الذين كان يلتقيهم باستمرار، أما في منزله أو في زياراته لهم أو في ساحة القبيات. وتوصل إلى قناعة مزدوجة تمثلت بأهمية تمتين الوضع الداخلي، للدفاع عن النفس في حال تعرّضت البلدة لأي أذى، من ناحية، وتأكيد القبيات على علاقات الصداقة والأخوة وحسن الجوار، واستمرار اعتدالها وانفتاحها في المواقف العامة، من ناحية أخرى. وقد حصل توافق في القبيات حول هذه القناعة المزدوجة، ترجمها الزعماء والأهالي ممارسات وأعمالاً على أرض الواقع. هذه القناعة كانت في أساس الدعوة إلى اليقظة والحذر، خاصة أثناء الليل، والسهر على حدود البلدة، منعاً للتسلل والاعتداء على أهلنا، وإلحاق الأذى بهم. وكان الشيخ أنطونيوس، وهو المعروف عنه أنه ينام باكراً، كان يسهر معظم الأيام، حتى ساعة متأخرة من الليل، إن لم كن حتى طلوع الفجر، إلى حين عودة الحراس من المتاريس، ليطمئن إلى سلامة الجميع، وعدم حصول ما يقلق، عند ذلك كان يخلد إلى النوم.

وفي هذا الإطار يذكر الدكتور فؤاد سلوم في شهادته عن الشيخ أنطونيوس، وتحديداً عن فن القيادة لديه: "... كانت القبيات محاصرة، مهددة، كانت الحراسة، على تخومها، يومية، ومداورة بين الأهالي. كان الشيخ مطانيوس المرجعية التي تؤمن الاتصال بين الداخل والجوار، والخارج البعيد. وإذا طال الحصار، من غير هجومات، سئم الحرس، فحصل تراخٍ، مما قد يؤدي إلى خطر جدي، إذا حصل هجوم مفاجئ. فصار الشيخ يعلن، كل يومين ـ ثلاثة أن رسالة وصلت، فيها تهديد بالهجوم، أو نُقل إليه تحذير من أحد الأصحاب، فينشط الحرس... وهكذا، حتى نهاية الأحداث، بقي التيقظ، بفضله، حياّ: كذلك بهذا الأسلوب استطاع أن يربط كل الأحداث بشخصه، فبقي "الشخصية المحورية"[77].

وفي الفترة الأولى من الثورة، والأرجح في أوائل حزيران 1958، شنّ الثوار هجوماً على القبيات، فدافع الأهالي عن أنفسهم وتصدوا للمهاجمين بقدراتهم الذاتية، وبالاتكال على أبنائهم الجنود والضباط المتقاعدين، بشكل خاص.

ويوم حصول الهجوم كان الرائد خليل ضاهر وجوداً في القبيات، فتوجّه بسرعة إلى غرفة الهاتف العمومية التي كانت موجودة في ساحة القبيات آنذاك، ويشرف عليها السيد وديع داود الصايغ. ومن هناك اتصل بقيادة الجيش في بيروت، وأعلمهم بالأمر. فقررت القيادة إرسال مجموعة من قيادة طرابلس، بإمرة النقيب سيمون سعيد والملازم أول فهمي حمدان (اليوم أصبح الاثنان عميدين متقاعدين) فتوجهت هذه المجموعة إلى القبيات، وكانت مؤلفة من سرية مشاة ومصفحات"، كما قال لنا العميد سيمون سعيد، خلال مقابلة معه في منزله في بيروت بتاريخ 11 أيار 1999، وأضاف متحدثاً عن تلك الفترة: "عند حدود القبيات، من جهة البيرة، أطلقنا قنابل باتجاه الثوار. وكان سقط في القبيات ثلاثة قتلى. وسألنا عن المسؤول في القبيات فقالوا لنا الشيخ أنطونيوس الضاهر. فاتفقنا معه على برنامج عمل. وكان حاضراً لفترة، الرائد خليل ضاهر.. قلنا إننا سندافع عن القبيات وعندقت، بالتعاون معهم. وأقمنا خط دفاع. وقطعت عنا خطوط التمويل. وتوفي رقيب من آل شمعون، نقلت رفاته لاحقاً إلى سرعين...".

وشدد على أنه "لم يكن هناك طائفية في الجيش. وكنت، مع الملازم أول فهمي حمدان نذهب كل أحد إلى الكنيسة".

وأنهى قائلاً: "بعد فترة، أخذنا نتلقى البرقيات من القيادة أن مهمتنا انتهت ويجب العودة إلى مراكزنا. ولما كان الوضع لا يزال حرجاً، فقد أحضرنا كمية من البنادق بالهليكوبتر، وتركنا جهاز راديو لتأمين الاتصال مع قيادة الجيش".

ولما سمع أهالي القبيات بخبر عودتنا الة مراكزنا أقاموا مظاهرة... وفي فترة وجودنا في القبيات ربطتنا صداقة قوية بالشيخ أنطونيوس"[78]. العميد فهمي حمدان، في مقابلة معه في المسبح العسكري ـ بيروت، بتاريخ 25 آب 1999، قال: "عندما وصلنا، كان هنالك بعض الحساسيات. لكن مع الوقت راينا أن العلاقات السابقة، التي كانت موجودة ما بين القبيات وعندقت والمنطقة المجاورة، قد عادت. كانت هنالك علاقات أخذ وعطاء... وصداقة ومحبة".

وأضاف أن "اجتماعاتنا مع الشيخ أنطونيوس كانت أفضل سبيل لنتمكن أن نتعرف على لكل شخصيات المنطقة والأهالي، وخاصة في القبيات وعندقت، بسبب المنزلة التي كان يحتلها الشيخ، وإذا أردنا أن نقول شيئاً للأهالي، من أجل الأمن، كنا نتمنى عليه إبلاغهم. كان الواسطة بيننا وبين الأهالي. وكان الشباب يتجاوبون مع الشيخ. وكان هناك أيضاً معه من القبيات وعندقت زعماء وشخصيات نتعاون معها. وهكذا توصلنا إلى حفظ الأمن".

وعن دور الشيخ أنطونيوس أكّد العميد حمدان "كان مرجعية وقراراته كانت تعكس الحكمة. وكنا نشعر من خلال اتصالاتنا مع الناس أنهم يلتزمون بما يقوله الشيخ أنطونيوس. كان يحل مشاكل المنطقة ومشاكل البلدة. كان موضع ثقة عند الناس وعندنا"[79].

إذاً تعاون الشيخ أنطونيوس وبقية مشايخ القبيات، مع قوة الجيش التي كانت متواجدة في القبيات وعندقت أثناء أزمة 1958، للحفاظ على الأمن والاستمرار في علاقات الصداقة والعيش المشترك التي جمعت تاريخياً بينهم وبين جيرانهم وإخوانهم في عكار.

 

العلاقات مع البلدات والعشائر المجاورة

أما ما يخص باستمرار علاقات الصداقة والأخوة مع جيران القبيات، فكان الشيخ أنطونيوس حريصاً، بالتنسيق مع مشايخ القبيات وعندقت، على إيصال مضمون هذه القناعة إلى أعيانها وأهاليها، إن كان بالكلمة أو مع زوار أو رسل، أو بواسطة الرسائل. وبالتالي لم تنقطع الاتصالات أبداً بين الفريقين. وعندما كانت تبرز مشكلة بين بعض أبناء القبيات وأبناء البلدات المجاورة، كانوا يسرعون لتطويقها أو حلها، بالتعاون مع زعماء هذه البلدات... يقول الأستاذ شاهين نادر، مدير ثانوية القبيات الرسمية في شهادته المؤرخة في 30/8/1999 عن الشيخ أنطونيوس "... كان حكيماً في حل المشاكل، رصيناً في تهدئة الخواطر والمشاعر عند وقوع خلافات بين أهلنا في القبيات والجوار، خصوصاً في الظروف الصعبة التي ضربت الوطن... كان غنياً في كرم ضيافته وفتح بيته، ومحافظته على علاقات جيدة مع المحيط..."[80].

 

عكار العتيقة

في رسالة موجهة من زعماء عكار العتيقة وموقّعة من السيد صبحي الأسعد العلي، رئيس بلديتها آنذاك وزعيم آخر نرجّح أنه الحاج هاني الأسعد، ومؤرخة في 1 حزيران 1958، وموجّهة إلى "السادة الكرام الشيخ مطانيوس أغناطيوس ضاهر وقيصر قسطون وفريد عبدو المحترمين"، نعلم أن الثلاثة الأخيرين وجّهوا كتاباً (لم نستطع إيجاده) إلى زعماء عكار العتيقة يخبرونهم فيها عن "طروش عكار ترعى مزروعاتكم (أهالي القبيات) وكان رد زعماء عكار العتيقة "القبيات وعكار بلد واحد... فنحن مستعدين لتخمين المتلوف حسب العادة بشرط التثبت من معرفة الفاعل..."[81]. وفي رسالة ثانية مؤرخة في 3/8/1958 أكّد زعماء عكار العتيقة أنهم يستنكرون "جميع الحوادث التي تحصل بيننا" وأنهم قرروا "سنتخذ جميعاً قراراً بمجازات الفاعلين من أهالي بلدتنا إذا كانوا مخطئين". وأنهوا بالقول: "نحن معكم على وفاق تام سبق لنا ونحن مستعدين لمنع كل تعدي يحصل عليكم من أي جهة كانت مصدرها ولم نزل على تعهدنا فنرجوكم ضرب موعد للاجتماع بكم للتفاهم"[82].

 

مشتى حمود

على حد علمنا لم يستلم زعماء القبيات رسائل مكتوبة من زعماء ووجهاء مشتى حمود، سوى تلك التي أرسلها المحامي شوقي شريف الدندشي بتاريخ 27 أيلول 1958، والتي سنتناولها بالتفصيل بعد قليل. لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أنه بالرغم من قلة الرسائل المكتوبة، استمرت الاتصالات الشفهية من خلال الرسل والزوار والأصدقاء المشتركين.

وجّه المحامي الدندشي رسالته إلى "مشايخ القبيات وعندقت" يدعوهم فيها لحضور اجتماع بتاريخ 10 أيلول 1958 في منزل السيد عمر زريقة في المنية. واستهل هذه الرسالة بالتأكيد على أهمية تأمين الوحدة والخير للشعب قائلاً: "لما يقتضيه العهد من تضافر الجهود لتأمين الوحدة والخير للشعب اللبناني، أرجو حضوركم يوم الثلاثاء الواقع في 30 الجاري"[83].

عند استلامهم هذه الرسالة تشاور الزعماء والأهالي حول مضمونها وقرروا تلبية الدعوة وحضور الاجتماع، لأن مواقفهم في القبيات كانت تعكس دائماً الانفتاح والرغبة في الحوار، من أجل تذليل الصعوبات التي يمكن أن تطرأ في كل وقت.

وفي اليوم المحدد حضر، حسب علمنا، المشايخ أنطونيوس ضاهر وفريد عبدو وقيصر قسطون/ومن عندقت (ولسنا متأكدين من ذلك). حضر المشايخ رشدي فخر وهاني مسعود والمختار يوسف نفاع بالإضافة إلى وصاحب الدعوة المحامي الدندشي، والمضيف السيد عمر زريقة، فقد حضر أيضاً بعض زعماء عكار والمنية. استهل المحامي الدندشي الاجتماع معاتباً زعماء القبيات على موقفهم خلال الثورة، قائلاً لهم: "أنتم كنتم مع الظالم (يقصد الرئيس شمعون) على ظلمه"، عندها انبرى الشيخ أنطونيوس، بالاتفاق مع بقية الزعماء للرد عليه قائلاً: "نحن لم نكن مع الظالم. نحن لم نكن مع أي فريق. نحن مع أبنائنا في الجيش. لا يمكن أن نشارك في الثورة ونطلق النار عليهم". فأجاب الدندشي: "الجيش معنا"، فرد الشيخ أنطونيوس: "لسنا على علم بذلك. لم يخبرنا أحد بموقف الجيش. على كل حال أن القبيات وعندقت كانتا دائماً مسالمتين، ولم تعتديان على أحد. وكل ما فعله أبناؤنا كان دفاعاً عن النفس".

عندها تطلّع المحامي الدندشي إلى الحضور قائلاً: "أتعلمون من هو الشخص الذي يقف هذا الموقف تجاهي؟ إنه أعز صديق لي". فردّ الشيخ أنطونيوس قائلاً، مع مسحة من العتب: "كان من الأفضل لو ابتدأت الحديث بالكلام عن صداقتنا".

وارتاح جميع الحاضرين، وعادوا وأكّدوا روابط الصداقة والأخوة التي جمعت بين أبناء القبيات وعندقت، ومشتى حمود وكل عكار. ورفع الاجتماع في أجواء إيجابية.

وما دمنا نتكلم عن علاقة الجيش بالثوار أثناء أحداث تلك السنة، من المهم أن نسلط الضوء على أحد الاجتماعات الهامة المرتبطة بهذا الجانب، والتي حصلت في القبيات في صيف 1958، أعني اجتماع الدكتور بطرس ديب مع أهالي القبيات، في بيت الشيخ أنطونيوس ونود أن نذكر هنا أننا أثناء بحثنا وتجميعنا لمواد هذا الكتاب عن الشيخ أنطونيوس، أننا اتصلنا بالدكتور ديب، قبل أن يغادر إلى باريس، ويخطفه الموت هناك، وسألناه إذا كان يريد أن يتكلم عن ذلك الاجتماع، فرحّب بذلك، واعداً بتلبية طلبنا بعد عودته إلى بيروت. ولكن الموت كان أقوى من إرادة الحياة، ومن رغبة العالم الكبير الذي تسنى له أن يشارك في قرارات هامة عديدة، في مختلف المسؤوليات التي شغلها.

لذلك اتصلنا بشقيقه المحامي ضاهر ديب وسألناه إذا كان بإمكانه أن يلقي بعض الأضواء على ذلك، فرحّب بسؤالنا، وأعرب عن استعداده للإجابة عنه، مشيراً إلى أنه كان يرافق شقيقه بطرس في زياراته العديدة إلى الشمال خلال تلك الفترة، وما قاله: "أنا سعيد أنني عشت تلك المرحلة مع أخي، الذي كان له صفتان:

الأولى أنه كان عديل حميد بك فرنجية، والثاني أنه كان مستشار اللواء فؤاد شهاب، قائد الجيش آنذاك. وعندما طلب عقد الاجتماع مع أهالي القبيات وعندقت، في منزل الشيخ أنطونيوس فإنه كان يلعب دور الوسيط. كان يهدف إلى تحييد المنطقة كلها، وإبعادها عن أحداث تلك الفترة، وخاصة لأن أكثرية عديد الجيش اللبناني منها. وهو كان نقل رواتب العسكريين إلى عائلاتهم في القبيات وعندقت. إذاً شقيقي الدكتور بطرس وحميد بك فرنجية والشيخ أنطونيوس، كان لهم دور رائد في التهدئة"[84].

 

العلاقات مع آل جعفر

بالنسبة لآل جعفر فقد حفظ الشيخ أنطونيوس رسالتان استلمهما مشايخ القبيات أثناء تلك الفترة. وفي لقائنا مع النائب السابق الشيخ علي حمد جعفر في منزله في كرم شباط بتاريخ 15 أيلول 1999 أطلعته عليهما هو ونجله الشيخ ياسين. الرسالتان مؤرختان، أحداهما "سنة 1958" والأخرى "...6/1958"، وقد تلطف الشيخ ياسين بمساعدتنا على قراءة الأسماء الواردة في السطر الأول من الرسالة الأولى، وفيها تواقيع كل من سعيد حمد جعفر ومحمد رشيد جعفر وحسن ياسين جعفر، إلى جانب علي حمد جعفر وآخرون. في هذه الرسالة الموجهة إلى "حضرة مشايخ القبيات المحترمين"، يقول آل جعفر: "خبرنا بأن وصلكم كتاب عن لسان آل جعفر ونحن لا ندري بهذا الكتاب ولا نعلم معناه وعندما يلزم لنا شغل فنتفاهم[85] بغير كتاب"[86].

وفي الرسالة الثانية المؤرخة في "6/58"، وموجّهة إلى "مشايخ آل القبيات يطلب الجعافرة أن يعود كل فلاح من القبيات إلى كرم شباط... "نتأمل منكم كل فلاح منكم في مزرعة كرم شباط أن يطلع إلى الزرع.

وإن الزرع لم يندس أبداً والشاوي منكم أن يطلع على مياهه والأخوية والجيرة من القديم"[87].

وتلي: تواقيع وجهاء آل جعفر.

 

مواقفه خلال حرب السنتين (1975 ـ 1976)

كُِتب الكثير عن حرب السنيتن. وما يهمنا في هذه الدراسة هو انعكاساتها على القبيات وعندقت وعكار. ومن المنطقي أن نورد باختصار أسباب هذه الحرب، تمهيداً للكلام عن تلك الانعكاسات.

بعض أهم تلك الأسباب، والتي أوردناها في دراسة نشرناها في الديار بتاريخ 8 تشرين الثاني 1990:

ـ الخلاف السياسي بين الأفرقاء اللبنانيين على طبيعة النظام اللبناني وطريقة الممارسة فيه. هذا الخلاف الذي انفجر صراعاً مسلحاً منذ العام 1975، واتخذ لوناً طائفياً في بعض فترات الحرب.

ـ التفاوت الاجتماعي ـ الاقتصادي بين المناطق اللبنانية على أساس جغرافي. إن بلدات أكروم والنهرية وممنع وتاشع في عكار، مثلاً تتساوى في الحرمان، مع بعض قرى الجنوب والبقاع وأعالي قضائي سير الضنية والبترون.

أطماع إسرائيل في لبنان وخاصة في مياهه، ومحاولاتها المتكررة لضرب صيغة العيش المشترك فيه، التي تشكل نقيضاً لوجودها.

 

اجتماع 11 تشرين الأول 1975 في منزله

في الأشهر الأولى من حرب السنتين، وبعد انتهاء جولاتها الأولى وظهور بوادر استمرار الصراع وتأزيمه، تشاور الصديقان نقيب محامي الشمال شوقي الدندشي والشيخ أنطونيوس، حول الموقف الممكن اتخاذه لتجنيب المنطقة الشرقية من عكار من آثار الحرب، والتشبث بالعلاقة الأخوية الإسلامية ـ المسيحية.

وفي بداية تشرين الأول 1975 اتفقا على دعوة زعماء هذه المنطقة إلى اجتماع في القبيات يوم السبت في 11 تشرين الأول، وفي منزل الشيخ أنطونيوس، بناءً على طلب الأستاذ شوقي. وحضر الاجتماع بالإضافة إلى الأستاذ المحامي الدندشي والشيخ أنطونيوس، من القبيات، المشايخ ميشال ضاهر وألبير ضاهر وفريد عبدو واسكندر غصن والمحاميان صبري عبدو وجورج زيتوني، وبعض الأهالي، وعن عندقت الشيخ رفيق فخر والمختار يوسف نفاع ورئيس البلدية الشيخ عارف البيطار والمعاون أول المتقاعد جوزف شاهين والمعاون الأول المتقاعد يوسف ساسين البيطار، وأيضاً كاهن بلدة شدرا الأب نقولا خوري، المحامي ياسر الدندشي والسيد أحمد الدندشي من المشتى، والسيد علي أحمد، أحد مشايخ العرب في وادي خالد.

النقيب الدندشي افتتح الاجتماع بكلمة قال فيها: "نحن أهل وجيران، ونعيش مع بعضنا البعض من عشرات السنين، في هذه المنطقة. ونحن نرفض أن ننجرّ إلى الصراع الدائر في بيروت وغيرها... وإذا كانت الفتنة هدفها صراع طائفي ضد المسيحيين فنحن كلنا مسيحيون. وإذا كانت الفتنة هدفها الصراع ضد المسلمين، فاسمحوا لنا أن نقول باسمكم أننا كلنا مسلمون. ونحن نريد أن نكون مثلاً لسائر المناطق في لبنان، بتعايشنا ومحبتنا".

وحسب ما نقلته صحيفة "النهار"، فإن المجتمعين أكّدوا "تمسكهم بالروابط الأخوية وتأييدهم لصيغة التعايش في المنطقة ورفضهم الانجرار إلى الصراع الطائفي"[88].

ثم ألقيت عدة كلمات في هذه المناسبة الهامة… الأستاذ وليم هاشم ضاهر الذي كان قد كلفه خاله الشيخ أنطونيوس إلقاء كلمة، شدد فيها على أهمية الوحدة الوطنية والعيش الواحد، باعتبار أن عكار كانت دائماً مثالاً للعلاقات الأخوية والتلاقي بين مختلف العائلات التي تجمعها روابط اجتماعية كرّست روح العائلة الواحدة، التي تميزها المحبة والتفاعل الإنساني. السيد علي أحمد تكلم بأسلوب شاعري قائلاً إن النسيم الذي يمر فوق القبيات وعندقت يصل إلينا محملاً بالمحبة. ولم نكن بحاجة، لولا الظروف والأحداث، لإعلان محبتنا لكم لأنها قائمة…".

في نهاية الاجتماع تم الاتفاق على تأليف لجنة ارتباط من سائر بلدات وقرى المنطقة الشرقية.

وبعدها انتقل الجميع إلى بلدة البيرة حيث عقدوا اجتماعاً مشابهاً، أكّدوا فيه على ما اتفقوا عليه في اجتماع القبيات.

وعلى طريق عودتهم، وعلى مدخل حي الغربية، اعترض مسلحون ثلاثة من القبيات السيارة التي كان يقودها الأستاذ جوزف ضاهر، نجل الشيخ أنطونيوس والذي كان يجلس بقربه، ومعهما الشيخ فريد عبدو، ومنعوهم من متابعة سيرهم لبعض الوقت. لم يعر لا الشيخ أنطونيوس ونجله جوزف جهة، ولا الشيخ فريد من جهة أخرى، أكثر من اهتمام عادي لهذا التصرف، وتركوا للأهالي أن يُعبرِّوا عن استنكارهم له. وهذا ما حصل بالفعل.

 

تأمين الطحين إلى القبيات وعندقت خلال الحصار في العام 1976.

بعد الهجوم الأول الذي تعرضت له القبيات وعندقت في أوائل آذار 1976، ضرب طوق حولهما، منع بموجبه دخول المواد الغذائية وغيرها، إلى هاتين البلدتين. وبعد فترة كان من الطبيعي أن يشعر الأهالي بوطأة هذا الحصار. وابتدأ الجميع ـ المقيمين في الداخل أم في بيروت ـ بالتساؤل عن كيفية تأمين وصول المواد الغذائية إليهما وكنا نحن في بيروت، في إطار تجمع القبيات ـ عندقت، أو في أحاديثنا مع الوالد، نتشاور حول الموضوع. وذات يوم سألنا (شقيقي جوزف وأنا) الوالد حول فكرة اتصالنا بصديقنا النائب طلال بك المرعبي من أجل طلب المساعدة في هذا الموضوع. فشجعنا الشيخ أنطونيوس على القيام بذلك، خاصة وأن النائب المرعبي هو نجل صديقه النائب السابق خالد بك عبد القادر المرعبي، وهو توسم فيه الجدية والذكاء والاهتمام بمشاكل الناس. فعرضنا الفكرة على أعضاء تجمُّع الشباب، في الأشرفية، فوافقوا جميعاً. عندها اتصلت هاتفياً بالنائب المرعبي وشرحت له وضع الأهالي على الأرض، فأبدى استعداده الف