كان الخلاف اتفاقاً
كانت جبالنا، في عكّار، موئل الخير. غاباتها الممتدّة كثيفة مشتبكة، غنيّة بأنواع الشجر. هضابها خصيبة، يفرشها غضيض العشب، يعطّرها طيّب النبت، يلوّنها زاهي الزهر. ووديانها الظليلة تتلألأ بفضيّ الندى، تفيض بدافق المياه، وتترنّم بعذب الخرير.
على أقدام الجبال، وعند منفرجات الوديان، تقوم قرى، وتنتشر زرائب؛ وما بينها، تستقطب عدّة بلدات ما حولها من تلك القرى والزرائب والمزارع، مُشكِّلة لها سوقاً ومدرسة، يرتادها أهل الجوار، هؤلاء، فيبيعون في سوقها محاصيلهم وطروشهم، وفي مدارسها يتعلّم المحظوظون من أطفالهم مبادئ القراءة والكتابة. عند حدّاديها يطرّقون لهم فؤوساً ومناجل، وعند نجّاريها ينشرون أخشاباً، يجمعون منها أبواباً وشبابيك، وعند البياطرة تحتذي حوافر دوابّهم نعالا. من دكاكينها يبتاعون كازاً للإنارة وزيتاً، صابوناً للغسيل وأقمشة، «مغّيطاً» للسراويل، وسلعاً أخرى كثيرة... هكذا تزدهر السوق، وتنمو البلدة بدفع ممّن حولها.
بلدتنا «دير عنان» واحدة من تلك البلدات، قائمة في منخفض، وادعة بين أسناد الجبال. بيوتها منتشرة على تموّجات التلال، تتوارى مختبئة من الريح، تارةً، وتواجه الشمس مستدفئة، تارةً أخرى. سوقها الزاهرة تتوسّط أحياءها، ممتدّةً على مستوٍ من الأرض، واسع. ويعمل بنو الدير، في هذه السوق، بنشاط وحذق؛ ويؤمّها أهل الجبال مستصنعين أو شارين بائعين.
وكان والدي، رحمه اللّه، إسكافاً مرموقاً، ساهراً على صنعته يتقنها كلّ الاتقان؛ ودكّانه كانت قائمة وسط السوق، تتّسع لكلّ أنواع الجلود والنعال، يُعِدُّ منها أحذية ترضي جميع أصحاب الحاجات والأذواق، وإلى أيّة فئةٍ انتموا: «جزمات» عربية، مخيّطة، مسمّرة، متينة، طويلة الساق، يرتفع لسانها حتى ما فوق الركبة، ينتعلها المكارون والضاربون في الفلوات البعيدة، وأخرى إفرنجية، مبطّنة، قاسية، قصيرة، تنتفخ عند بطّة الساق، مدروزة بخطوط زخرفية، يقتنيها الخيّالة من البكوات ورجال «الجندرمة» ومأموري الأحراش. وكذلك يصنع والدي «الأساتيك» «بمغيّط» أو بأزرار ملوّنة، لأعيان البلدة ومخاتير الجوار؛ هذه، من الجلد الافرنجي، أمّا «مشّايات» الجلد «السختيان»، فيصنعها للفلاحين والرعاة... وفوق ذلك، كان يصلح المثقوب والمَمْزُوق والمهترئ من أحذية الفقراء، يصلح الحذاء الواحد مراراً وتكراراً، حتى لا يعود يعرف أصله من المضاف إليه، شكلاً ولوناً. ولأنّ والدي، هذا المعلّم الحاذق، كان بشوشاً، مرحاً، حسن المعاملة، صادقاً، قصده الزبائن من شتّى المشارب، فكان يغصّ دكّانه بهم، حتى استعان بصانعين، يتدرّبان على الصنعة، ويساعدانه من الصباح حتى العصر، ثم ينصرفان، ويبقى، بعدهما، حتى العشيّة، وأحياناً حتى السهرة، إذا دعت الحاجة إلى تلبية طلب ملحّ.
وكان من زبائن دكّان أبي رعاة أشدّاء، وأفّاقون سراة ليال، ونخّاسون، وجلاوزة، وأشقياء... ومن هذا الصنف الأخير، الشرس، رجلان صاحبان: راشد وسلمان، يمارسان طرفاً من كل مهنة من مهن أبناء الغابات. راشد كهل بدأ الشيب يغزو شاربيه، طويل هزيل، عصبيّ الحركة، يلتثم بكوفيّة غبراء، يخفي بها فجوات واسعة فيما بين الذي تبقّى من أسنانه السوداء المهترئة، وتلتمع من خلالها عينان صغيرتان مراوغتان.
أمّا صاحبه سلمان فأكثر شباباً. معتدل القامة، مكتنز، منتفخ الخدّين، زهريّ الوجنتين، حسير الرأس، حليق الشعر، عدا ذؤابة شعثاء فوق جبينه. في عينيه المدوّرتين الواسعتين سذاجة، وفي حركاته رعونة، يضبط من انفلاتها سطوة صاحبه راشد.
ذات عشيّة، وقد خلا الدكّان من زحمة الزبائن، ومن الصانِعَين، تأخّر والدي في دكّانه، يفصّل بتأنٍّ ودقّة، «جزمة» جديدة، أوصى عليها رئيس المخفر الجديد؛ فحرص والدي، هذا الاسكاف الذي يحترم نفسه، على أن تكون عبرة تحمل توقيع براعته في صنع الجزامى، وتقود إليه زبائن معتبرين.
ودخل الزبونان غير المنتظرَيْن، راشد وسلمان. رحّب بهما ترحيب غير المشتاق، فهو كان يستثقل ظلّهما في أفسح الأوقات، فكيف في هذه الحشرة؟ لقد كانا، دائماً، متطلّبين، يصلحان ما يحتذيان ولا يدفعان، يطلبان ضمّة مسامير، وسريدة نعل، وقدّة جلد، وحفنة «سراس»، وبنوداً... ويخرجان مودِّعَين، شاكرَين، محيّين تحيّة العارف المعترف بالجميل... دخلا، هذه العشيّة، وسلّما تسليم المشتاق، وجلسا يسألان سؤال المهتمّ، عن الصحّة والحال والعائلة والعمل... فيجيبهما جواب المنهمك في شغل بين يديه، يستحوذ جلّ اهتمامه... وصمتا يرقبانه وهو يُعمل سكّينه الرهيف بضعاً وقطعاً، تشفيفاً وفصلاً، في جلد برتقاليّ طري.
وَلشدّ ما كان يجذب نظرهما وإعجابهما رشاقة أبي في التعامل مع السكّين، يحزّ به على حدود «هندازة» الورق، المُطبقة على «طاق» الجلد؛ يأخذ «المهندز» منه يرفعه أمام عينيه، يقلّبه وجهاً وقفا، مطمئنّاً إلى مطابقته «الهندازة»، حسب مراده، فيضعه جانباً؛ ويعود بالسكّين إلى مسنّ الحجر، المرطّب بالزيت، يشحذه به مرّات ومرّات، ثم ينتقل به إلى «الطسمه» المعلّقة أمامه في الطاولة، «يطسّمه» به ستّ سبع مرّات، ثمّ يمسحه بقماشة، فإلى المِسْتَحدّ، يأخذه بيساره، ويصكّ السكّين به، بمثل ما «طسّمه» ليعود إلى القطع والفصل في الجلد أو النعل القاسيّ؛ والسكّين على رهافته ومضائه، لا يَفُلّ حدّه حزّ ولا قطع، والفضل في ذلك، يعود، في الدرجة الأولى، إلى المِسنّ.
والمِسنّ بضاعة نادرة في الريف، والمدينة بعيدة، والنقل عزيز؛ فلا يتوفّر المِسنّ في المخازن الصغيرة، هنا، حيث لا يقتنيه إلا ذوو حرفة، وما أقلّهم!. ألإسكاف يقتنيه، إذ لا غنى له عنه، فسكّينه، من غيره، لا يقطع جبنة.
أمّا الرعاة، أرباب الغابات، فأهل شقّ وقطع، تستهويهم الرهافة في الحراب، والمضاء في الشفار، فالغصون والعيدان، بأخضرها ويابسها، تعترضهم أينما توجّهوا، تُتلف حدائدهم، وتأكل من شفارهم، رقّت أم غلظت، فلا علاج لها إلا مِسنّ حجر، ولو كان صغيراً.
كان راشد وسلمان يرقبان باهتمام وإعجاب هذا السكّين الرهيف، المتأنّي مرّة، النزق أخرى، والفعّال دائماً، وهو يروح ويجيء بيمين الاسكاف، لا يكلّ، يقطع بسهولة ودقّة، يتجدّد شبابه بحكٍّ على حجر، وبدغدغة من جلد، وبمعانقة من فولاذ! لكن إكسير شبابه، ولا شكّ، هو في ذلك الحجر الأسود، المربّع، السميك، المزيّت، تحتضنه خشبة، يقرّبها الاسكاف، أمامه، ويبعدها، على قدر حاجة السكّين...
كان الصمت يخيّم على المكان، لا يعكّره، بين فترة وأخرى، سوى حكّ السكّين على المسنّ!. لكن حسّ إشارات، وهمهمة شفاه، بدأا ينبّهان وعي والدي، فأوقف حركة يده، وأرهف سمعه، لتتبيّن أذناه، من بعد، كلاماً مُلغِزاً، غامضاً، لم يفهم معناه، وحتى لم يتوقّع قصده؛ فنظر باتّجاه الضيفين مستطلعاً؛ فما كان من سلمان إلا أن رفع صوته في وجه راشد، قائلاً بحدّة، مموّهاً: «إن كان بدّك تفلّ، «فلّ»* وحدك، أنا بدّي انطر!. «الزلمي» مشغول» - مشيراً إلى والدي -. فصاح راشد: «أنا لمّا قوْل: قوم تَنْروح، يعني لازم تقوم!».
وردَّ سلمان صارخاً... وزعق راشد... وانتصب سلمان... «وفحص» راشد متأهّباً!...
فوقف والدي منتهراً الاثنين: «شو بكن؟ ليش مختلفين؟ بعلمي صحاب! يالا، روحو تنينكن، أنا، اليوم، ماني فاضيلكن...!»
فهمدر راشد: «عجبك هيك ولاه؟ بدّك تنطر حتّى نروح مطرودين؟...»
فأومأ سلمان بصوته ووجهه وجذعه ويديه كمن سيأخذ بتلابيب خصمه. فما أن رفع راشد قبضته حتّى كان والدي واقفاً بينهما، يأمر أو يرجوهما كسر الشرّ، والعودة إلى الهدوء والسلام، مما زاد في اهتياج الصديقين اللدودين، صياحاً وحركات، وهما يدوران حوله، يسحبان قدميهما على الأرض سحباً، كأنّهما في رقصة... إلى أن انفلت سلمان إلى ما وراء الطاولة، فلحقه راشد، ودار سلمان، وتبعه راشد متناولاً المِسنّ من على الطاولة، منتظراً أن يصل سلمان إلى ما بين كرسي والدي والحائط، في مواجهته، ليقذف رأسه بالمسنّ، لكن سلمان كان قد نزل خلف الكرسيّ، حتى قبل أن يهمّ راشد بالرمي، فصدم المسنّ الحائط بقوّة صاعقة، لينقسم ويتشظّى، ممّا جعل العاصفة، بينهما، تسكن توّاً، وكأنّها مأمورة، فأسرع الخصمان يلمّان، من على الأرض، أكبر قطعتين من المسنّ المكسور، فيضع كلّ واحد قطعته في عبّه، وهو يردّد: «انكسر الشرّ، انكسر الشرّ»... وتوجّها، بعد ذلك، صوب الباب خارجين، فما لبثا أن غابا في أعماق الغسق الذي لفّ السوق، غانمَيْن.
أمّا والدي فبقي واقفاً، مشدوهاً، إلى أن أفاق بعد قليل، وهو يتمتم مردّداً: أها أها! إذاً... كان خلافهما اتّفاقاً على اقتسام المسنّ!...
أنا المغفّل، أنا المغفّل.