إحمل «الفلنطة» واتبعني 

 

كان في ضيعة «كفر البيدر»، في أقصى شمال لبنان، الغافية على ضفّتي نهرها بأمانٍ واطمئنان، كاهن ذو فتوّة وبأس، اسمه سمعان... قويّ الشخصيّة، ثابت الجنان، كسّاب وهّاب، يقيل عثرات الكرام وغير الكرام، فلا يوصد بابه في وجه مخلوق. يحبّه أهل ضيعته، يقومون إذا قام ويقعدون اذا قعد، من غير أن يعرفوا لماذا قام ولماذا قعد. وهم يشعرون أنّهم أقوياء طالما هو بينهم، وأنهم سالمون، لا ينالهم مكروه طالما شملهم رضاه.

وكان أهل الجوار يهابونه ويحسبون حسابه، فيكرمونه بالهدايا، ويتجنّبون غضبه بكلّ وسيلة، فلا يقربون ممن حسب عليه، من أهل رعيّته، الذين كلّهم محاسيبه إلا من شذّ، فيا ذلّه: فدّانه مفقود، عدّانه مأخود، بيدره محروق، زرعه مرعيّ...

وكان ممّا يزيد في اعتزاز أهل «كفر البيدر» بالخوري سمعان، والالتفاف حوله أنّ أهل الجوار كانوا على غير معتقدهم، وأقوى منهم عدّةً ونفوذاً. لكنّ الخوري سمعان كان يردّ كيدهم، ويحمي أهل الضيعة: «فرده» في زنّاره. فرسه الزرقاء طيّبة الحافر، يجثم الخوري على ظهرها كالنسر الأسود؛ فلا ينتصف النهار حتّى يكون في طرابلس... يراجع المطران، يحمل هديّة إلى القائمقام، يشتكي إلى رئيس الضابطة، ويخابر قنصل فرنسه.

والخوري سمعان معروف عنه أنّه لا يتردّد في إطلاق النار على قاطع طريقه، كذلك سرعان ما تلعب خيزرانته على قفا المتواقحين... احتكّ به الأَغَوات وجرّبوه، فأثبت جدارته. ورفع رأس أبناء ملّته، وأخزى الخصوم: هؤلاء وأولئك يسقون أراضيهم الواسعة من جدولٍ واحد. ولأن الماء روح الزرع، والزرع روح بني آدم، كان النزاع مزمناً بين الجيران، يعنف في سني الشحّ، ويهدأ سنيّ الخزين؛ لكن الغبن كان دائماً نصيب الكفراويين (أهل كفر البيدر)... إلى أن برز الخوري سمعان، وواتته رياحه، فقسم الأراضي «فِطمين»، ونظّم «عدادين» الماء على أصحاب الحقوق من الطرفين، تنظيماً عادلاً، إلا أرضه؛ عدا أنّها تشرب على الفطمين، فإن «المظبطة» عادت من عند القايمقام، مع الموافقة، وعلى أنّ حقّه في الماء: «خوري سمعان تيخلّص».

ذلك كان سرّ القوّة في الخوري سمعان. لكنّ اللّه لا يكمّلها مع أحد! كان للخوري سمعان نقطة ضعف تنغّص عيشه وتهدّد مركزه، وهي ضعفه في القراءة والكتابة، وجهله في أمور الدين. هذه النقطة بدأت تكبر في السنوات الأخيرة إلى حدّ لا ينطاق! العلوم تتقدّم، والضيعة ترسل أبناءها إلى المدينة فيتعلّمون ويعودون ليثيروا أمام الخوري أموراً لا يعرف عنها شيئاً. صحيح لا يتجرؤون على التحدّي، لكنهم إزاء عجزه عن الاجابة عن أسئلة يثيرونها، ينظرون أمامهم ويبتسمون!... ولولا أنه «زكْرْت»، ولولا أنّه موضع ثقة واعتزاز آبائهم لتواقحوا!...

كم أسف على أيام زمان! لكن ما ذنبه؟ هل هو الذي أراد أن يتخورن؟!

أبو الخوري سمعان، الخوري جرجس، كاهن الضيعة قبله، كان فاضلاً، تقيّاً، عالماً. أمّه، الخوريّة نمنوم، أيضاً كانت سيّدة فاضلة، تقيّة، تحفظ مقامها. كانت ولوداً، لكنها مئناث، أنجبت سبع بنات، حتّى جاء سمعان ثامناً أخيراً، فحمل اسم جدّه الخوري، ورأى فيه أهل الضيعة مستقبل الرعيّة. سيتعلّم ويتفقّه ويطلع خورياً أحسن من أبيه وجدّه... لكن ما أن درج الصبيّ حتّى بدأت الخيبة تتسرّب إلى أهل القرية، وتكبر كلّما كبر سمعان. أما خيبة الخوري فكانت فظيعة! وحدها الخوريّة نمنوم بقيت متفائلة، وظلّت تؤكّد أنّ سمعان، ولا بدّ، سيعود إلى أصله.

ولمّا كان الخوري جرجس أباً عطوفاً، يخيّم على القرية بأبوّة مباركة، وبقداسته يسهّل لها طريق السماء، دلّل أهل القرية صبيّه الوحيد، وتسابق أفضل الشبّان لخطب ودّ بناته، فلم تكد الواحدة منهنّ تقارب السادسة عشرة حتّى تصبح في بيت قرينها... هكذا اكتمل عدد الأصهار باكراً، وحوصر الطفل سمعان، والغلام من بعد، بالرعاية والدلال! ففي حماية الخوريّة، لا تستطيع يد والده الخوري أن تطاله لتأديبه، ولا أهل القرية يتذمّرون من فعاله الشنيعة: «نقيّفته» معلّقة في عنقه، إذا شاء نقف ظهور الشيوخ، وإذا شاء كسر، بالحصى، الجرار الملأى على أكتاف الصبايا، وحتّى لم يوفّر زجاج شبابيك الكنيسة؛ وكثيراً ما فدغ رؤوس أترابه... «يفرس» أسيجة البساتين فينتهك ثمارها، ويطارد الدواجن، فلا من يتشكّى أو يتذمّر! شبّ وقسا عوده، فاتّزن قليلاً، وتحوّل طيشه إلى فتوّة وعنفوان، فقاد شبّان الضيعة في الهوشات، وحقّق لهم الانتصارات، فحاز إعجاب ذوي الدم الفائر من أهل الضيعة، وغاظ العقلاء من وجوهها، وبلبل هدوء بالهم! لكنّهم، إكراماً للخوري، وخوفاً من شعبيّة سمعان، احتملوا وسعوا في عقد المصالحات؛ «بوّسوا» اللّحى، وحلّوا أكياسهم ودفعوا الغرامات، وكسروا الشرّ...

... إلى أن وقع سمعان في الحب!

الحبيبة، مريم بنت المختار، رفيقة الطفولة وعشيرة الصبا: شقراء جميلة، خضراء العينين. مشيقة رشيقة. عاقلة. طيّبة كالبلسم؛ ضعها على الجرح، للتوِّ يبرأ...

بادلت مريم سمعان حبّاً بحبّ. ولِمَ لا؟! هو طائش؟ صحيح. لكنّه جميل الطلعة، مهيب، أصيل؛ وعلى قساوة مسلكه مع الناس، يرقّ معها، فيكاد يذوب كسكّرة، ويسلس القياد كحمل! لكن والدها لم يكن يشاركها الرأي: سمعان يعيش الآن في عزّ والده الخوري. لم يتعلّم ليرث عنه الوظيفة، فماذا سيعمل؟! وكان يردّد أمامها: «يا حسرة! لو... ما كان حدا قدّو. الخورنة مزراب دهب. أما هيك؟! سمعان لا يطلع بيده شغل. فلاح ما بيقدر يعمل. بس قواسات! شغلة يللي آخرتهم الحبس. متى راح الخوري تنكسر هيبة سمعان، ويشحد...» المختارة، أمّ مريم، كان حديثها، أيضاً، من حديث المختار، فكانت تختم حديثها عن سمعان، قائلة: «... ما له مستقبل. رغيفه لا يلزق بتنوّر!»

أمّا مريم التي لا تريد أن تتعقّل، فكانت تبلع الغصّه، وتسكت على مضض، وتصلّي حتّى يفرجها اللّه بحكمة ما من عنده.

وعرف سمعان بالمعارضة، فسحق بأسنانه مهدّداً، محذّراً، مستخفّاً: من يجرؤ على طلب يد مريم؟ إما نحن معاً، وإما هي عازبة وأنا عازب!

وكان رفض المختار وإصرار سمعان على مسمع ومرأى من الضيعة، وانقسمت حزبين. حزب الخوري هو الأقوى. ضغط سمعان على أمّه: «مريم لي، اعملي شي!» ضغطت الخوريّة، بدورها على الخوري: شو باك؟ ما أنت حاسس بحالة هالصبي؟... ودفعته، بعد جهد جهيد، إلى زيارة المختار وطلب يد مريم لسمعان رسميّاً. ذهب الخوري مكرهاً، وتوقّع النتيجة سلفاً:

- حلّت البركة يا بونا.

- «يا مختار، يا ابني، بيتك وبيتنا واحد. أنت لتدبير الأمور الزمنيّة بالضيعة، وأنا: الأمور الروحيّة. خلّينا نتّحِد: البيتان واحد، والضيعة واحدة. مريم لسمعان!»

- «كلامك على راسي يا بونا. بس...»

- «بس إيش؟»

- «ما يضمن مستقبل بنتي؟»

- «وَلوْ؟! سمعان شيخ الشباب... رزقه وحده يكفي!»

- «يا بونا أنت أعرف بسمعان. لو معه رزق السلطان، يطيّره بعدك. لا يطلع بيده شغل. لا تواخذني يا بونا. أنت غالٍ، لا يَنْرد لك طلب. لكنك حقّاني، فاحكم!»

إحتقن وجه الخوري. نظر في الأرض ولم يجب. مسّد لحيته مرّة، مرّتين. نفخ، ورفع رأسه إلى العلاء، وكأنه يستنجد بالقدرة. نهض، وقال:

- معك حقّ يا مختار! تصبح على خير.

تلك الليلة لم ينم الخوري! صلّى وصلّى. قرأ الفرض مرّات... ولم يشقّ الفجر عن وجهه حتّى حلّت نعمة الروح القدس! لقد صمّم الخوري جرجس...

نهار الأحد، في الكنيسة، قبل القدّاس، أشار الخوري إلى مريم إشارةً خفيّة، فتبعته إلى كرسيّ الاعتراف:

- «مريم! هل تحبّين سمعان من كلّ قلبك وعقلك؟»

- «يعلم اللّه، يا بونا، وسمعان يعلم، والضيعة...»

- «ساعديني، أساعدكما...»

- «أأمر يا بونا».

- «اشترطي على سمعان، تتزوّجينه، فقط، إذا بيصير خوري! الباقي عليّ...»

بعد القدّاس فوراً، أخذ الخوري دربه إلى طرابلس، بعد أن أخفى تحت جبّته «كمراً» مكتنزاً بالذهب. وصل إلى «القلاية» عصراً. لم يجد المطران، فانتظره حتّى حلول الظلام.

- «نعم يا سيّدنا. الأمر ضروري ومستعجل! الضيعة على كذا وكذا... بدنا نعمل سمعان خوري!»

- «سمعان يعمل خوري؟!... تطال يده القمر ولا تطالها! مين ما بيعرف سمعان؟ سمعان خوري، قال...!»

فكّ الخوري كمره، وخبطه في حضنه، «فجمّش»* الذهب في الكمر، وتابع الخوري كلامه قائلاً:

- «يا سيّدنا، اذا زوّجنا سمعان يعقل، فينكسر الشرّ في الضيعة. أنا كفيل، أمام قدسك، أن أعلّمه القدّاس خلال أشهر. سمعان ذهنه مليح، إذا أراد وصل. وأنا، عبدك، تعرفني، إذا قلت وفيت. خلّصنا، يا سيّدنا، بارك. الكل له مصلحة. أنت، أيضاً، عندك مصاريف. فقراء «الأبرشية» أكثر من الهمّ على القلب...»

ورفع الخوري «كمره» من حضنه مشيراً إليه أمام المطران الذي ابتسم وأجاب مشترطاً:

- «أتضمن تعليمه القدّاس جيّداً؟»

- «أضمن»

- «أتضمن أنّه يتعقل، فلا يأتي بما لا يليق بكاهن؟

- «نعم، أضمن».

- «أتضمن أن يطيعني، خصوصاً، ولا يسبّب لي مشاكل؟»

- «نعم، أضمن».

- «طيّب! اتّكلنا على اللّه...»

عاد الخوري جرجس، ثاني يوم، من طرابلس والبشر على مُحيّاه، و«البقلاوة» في الصواني، والتمر في «القفّه»، بانتظار الضيوف... إختلى بالخوريّة، أخبرها وحرّضها على سمعان - لم تكن بحاجة إلى تحريض-. قالت فرحة: - «سمعان عندي».

ثمّ استدعى سمعان، وفهّمه الوضع. سمعان لم يفاجأ: مريم أبلغته شرطها، وحلفت له بمار جرجس والعدرا والأربع عيون (عيني سمعان وعينيها) أنّها لن تتزوجه إلا بعد النذر الثالث. حاول أن «يتبهور»، لكنّها أكّدت له بكل تصميم:

- «لن أتزوّج مخلوقاً بعدك! لكن درب الراهبات أعرفها».

سمعان حدس بالملعوب، لكن، في البداية، لم يدرك السرّ! فقط، عندما فاتحه أبوه بالأمر، أدرك أنّ الخوري ينسّق مع مريم... وما عليه؟ أليس هما أحبَّ مخلوقين، في الوجود، إلى قلبه؟ لذلك ارتاح للفكرة، وأجاب أباه بمرح:

 

- «كل هَالْقد بدها؟ أعمل خوري، وأعمل مطران أيضاً...»

وضحك الخوري ملء فمه:

- «أنت مطران؟ لِمَ لا إذا كانت مريم أبرشيتك!...»

واجتهدت الخوريّة في تقوية عزيمة ابنها ما وسع الأمّ أن تحبّ لوحيدها الخير...

ودأب سمعان على المشاركة يومياً في خدمة القدّاس، وليليّاً يحفّظه الخوري بعض السريانيّ و«الكرشونيّ» ويقرّئه في «السنكسار»... واحتمل سمعان...

المختار بدأ يتراخى، فيتأخّر، بعد قدّاس الأحد، يسلّم على الخوري، وأحياناً يشرب عنده فنجان قهوة. والمختار ليس كسلانَ؛ حالما سمع بالخبر: سمعان يتدرّب على الخورنيّة، حتّى انسلّ إلى المطرانيّة ليطمئنّ، مباشرة، من فم المطران. فأكّد له المطران تصميمه على سيامة سمعان خوريّاً. وشجّعه على الدخول في المشروع.

لم يطل العمر بالخوري جرجس، بعد سيامة سمعان كاهناً، فمات قرير العين، رضيّ النفس: سمعان خوري الضيعة. الخوريّة مع كنّتها مريم، أحلى من الزبدة على العسل... ولاقت روح الخوري ربّها في الملكوت الذي اصطفاه اللّه لمختاريه.

وطاب الدهر على الخوري سمعان: حال ميسورة. نفوذ وجاه كبيران. عائلة هنيئة. ماذا يريد أكثر؟!

لكن!

هؤلاء أبناء الجيل الجديد! أبناء الجيل الجديد المتعلّمون في مدارس المدينة والاكليريكيات؛ مع أنّ واحدهم لا يستحقّ أن يفكّ سير حذائه، ينغّصون هناءه. هو، أسد الرجال الذي تخافه السباع، يخافهم؟! لماذا؟ لولاه؛ لولا الأمان الذي يوفّره للضيعة بجاهه، هل بقي لأهاليهم ما يستطيعون أن يرسلوهم به إلى المدارس؟

العلم قلب الدنيا قلباً. الناس بدأوا يتغيّرون. طلاّب الخورنيّة يتعلّمون عند اليسوعيّين في غزير، ولا يرسمون كهنة إلا بعد نيل الشهادة في اللاهوت، وابنه جرجس واحد منهم. أما هو؟ هو لا يزال في عزّ مجده! هل يترك مجده ينهار؟ ما العمل؟ ماذا تخبّئ الأيام؟

وجاء يوم... كان الخوري سمعان بلباسته البيضاء، يقيّل، بعد الغذاء، تحت الجوزة الوارفة، أمام منزله، في يوم صيفيّ قائظ؛ عندما جاءه أحد أنسبائه، ملهوفاً، وأسرّ إليه:

- «البرديوط» ارسيانوس، معه كاهن وشمّاس، في قرية حرف الوادي، في زيارة رعائيّة... ثم أضاف، بعد تردّد:

العلم بيد اللّه، يا بونا، يقولون إن المطران الجديد أرسلهم لفحص خوارنة الرعايا في التعليم المسيحي!

اعتدل الخوري في جلسته، ونظر نظرة الصقر في عينيّ محدّثه، واستزاد:

- «شو هالحكي؟ «تخْريعة»!» «إيّاك تمزح بهيك موضوع!»

- «وَلَوْ يا بونا؟ إيش مصلحتي؟ هيك عرفت!» لاكها الخوري سمعان في فكره... تساءل: يفحصونني؟ أم يفضحونني؟ يشمّتون الناس بي؟ وكرامتي؟ وجاهي؟ «بعد الكبرا جبّة حمرا؟!»... واكفهرّ الخوري سمعان، وأمر نسيبه:

- «بعتلي جرّوج، «يتجزّم» ويسرج العبيّه (اسم فرسه)...»

ثمّ تابع في سرّه: «أتغدّاهم قبل أن يتعشّوني!»

وجاء جرّوج مستعدّاً، فوجد معلّمه بكامل العدّة، عدّة أيام زمان، أيام الشقاوة:

- «هات الفرس. إحمل «الفلنطة» واتبعني!»

صعّد سمعان في طريق حرف الوادي، وجروج، وراءه، ماشياً، يكاد قلبه ينقطع... وصلا قبل أن يحمرّ قرص الشمس: الخبر صحيح! «البرديوط» ارسيانوس في بيت الوقف. ماذا جاء يفعل؟

- «جرّوج! لقّم سلاحك! إذا سمعت صوت البارود، لا تخلّي حدا يقرب الباب قبل ما أطلع! متل أيام زمان. فاهم؟ أيام زمان...»

كان خوري الحرف، مع ضيوفه، يحتسون القهوة. أمامهم أوراق ودفاتر، وفاكهة... كانوا في جلسة ودّ ومؤانسة... أمّا سمعان، فكان مهتاجاً! حرّك زنّاره قبالة «البردويط» مرّتين. تقدّم ووضع يمناه على «الفرد». بالأخرى أشار إلى القلم والأوراق، أمام دهشة الحضور الذين عقل الرعب ألسنتهم... وصرخ «بالبردويط»:

- «شو، يا بونا ارسيانوس؟! بعد عشرين سني كهنوت، باعت سيّدنا يسألني: أمسيحي أنت؟! اكتب: خوري سمعان الكفر جيّد جدّاً...»

وقف النبض في قلوب الحضور، وجحظت الأعين...

ابتسم ارسيانوس ابتسامة ذكيّة، وقد استشفّ خيوط المقلب:

- «ولو يا بونا سمعان؟! سيّدنا مين ألو غيرك هون؟ لولاك ما بيدق جرس بِـ هَالدّيره...»

وتابع:

- «بس مسألة «العشور»*!... كمان صار لنا زمان ما مالحناك، وذقنا أكلات الخوريّة».

وانطفأ غضب الخوري سمعان فوراً... ثم جلس مرتاحاً، وحسر «طابيّته» عن رأسه، فتصاعدت من تحتها رائحة القوزي والأرزّ. وغرّدت في أذنيه أهازيج الدبكة وأنغام المِجْوِز في ملقى وكيل المطران.