Email:  elie@kobayat.org

back to Zilal el Ams

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

 

الضّحيّة الخالدة

 

بلادنا!

سخت عليها الطّبيعة من غير حساب! منحتها روعة الموقع وخصوبة الأرض وكثافة الغابات وغزارة المياه. ميّزتها بثروات كانت، ولا زالت، مطمع الغرباء ومجال تنافسهم... هل كان جمال الموقع وغنى الطّبيعة ووفرة الثّروة مدعاة عزّة لشعبها أم مأتى مذلّة؟ هل استحقّ، هذه الأرض، أهلها فعاشوا الكرامة، أم هانوا فاستحقّوا اللّعن؟ ثمّ. هل ما قلنا، الآن، صالح كمقدّمة قصّة أم هو تفلسف في غير مكانه؟

 

على كلّ حال...

قبل اكتشاف النّفط الأسود في هذه البقعة من العالم، ومن زمن طويل، كان هنا نفط ذهبيّ، ليّن، ناعم، مضرب مثل في النّعومة وغلاء الثّمن: ناعم كالحرير. " ضربتو كفّ بيسوى رطلين حرير". كانوا يقولون ويتبجّحون.

 

نعم. إنّه الحرير!

بلدتنا "وطا التّوت" (المقصود: بلدة القبيات) كانت من هذا القبيل. اسمها يلبق لها. كانت فيها مخانق قزّ، ومعامل حرير طبيعيّ، وبساتين توت، واحتكار صناعة. وكان فيها ملاّكون لا يعملون، وعمّال لا يملكون. وكان فيها سادة قاهرون، وكان أجَراء مقهورون...

لكن الجّميع كانوا منتفعين، وإنْ بتفاوت، ينعمون في بحبوحة، والحرير سبب نعمتهم.

 

فرعون بك كان صاحب معامل الحرير في بلدتنا. جاءها من بيروت الّتي يمتلك فيها شركة مصرفيّة. إنّه من"فرنجة المياه العذبة"[1]. اشترى، بكلّ وسيلة، جميع الكراخين[2]، صغيرها وكبيرها، فوسّع وجهّز وحدّث، وصار سيّد الحرير، ولا منازع.

 

يعضده المشايخ النّافذون، ويحميه القائمقام التّركيّ الّذي لا يكسر خاطر غنيّ، فكيف بسيّد الحرير؟ هكذا صار لرأس المال موطىء قدم عندنا. وصار للمترسمل سلطة تفوق سلطة البكوات والمشايخ، وحتّى كبار موظّفي العثملّيّ، فلا يجرؤ امرؤ، في البلدة، أن يقول للحاكم بأمره، للفرعون: "ما أحلى الكحل في عينيك".

 

الكراخين كانت ثلاثاً. وكانت على مجاري الماء. عشرات الصّبايا في كلّ كرخانة. نظّار على صفوف الخلاّقين[3]، وراء الشّغّالات[4]، ووراء الحلاّلات على الدّواليب. عمّال على المواقد، وخُوَل في المكاتب، وخادمات في الفيلاّ المجاورة للمعمل الرّئيسيّ... تلك كانت مملكة فرعون بيك، يحكمها حكم المستبدّ، غير العادل. يذلّ الرّقاب بالكرباج، فدعي "أبو كرباج"[5]. ويخزي الأعين الواسعة والألسنة اللاّذعة بالذّهب، فهو "أبو الذّهب". يحلّ ويربط في شؤون البلدة، حتّى في الجوار، ويقدّم ويؤخّر، وينفع ويضرّ، وقوّته من قوّة النّقد السّائل، الجاري بين يديه، في عالم الشّحّ، القائم على المقايضة وعيش الكفاف.

 

مظهر فرعون بيك مظهر ملك غير متوّج. في الصّيف يأتي المكتب في غنباز "الستك روزا"[6]، مرخىً فوق ساقيه العاريتين. يكحف[7] مشّايته[8] "الشّيفرو"[9] البرتقاليّة، الرّقيقة النّعل. ينقل الخطو متّئداً. علامَ يعجّل؟ الجميع ينتظره، ولا ينتظر أحداً، فهو ملك زمانه وزمان سواه، يمسك الزّمان ويبدّده على هواه... في زمن البرد يلبس شروالاً، من الجوخ الأسود، على زيّ أهل البلد، يزنّره بشال عريض من الكشمير الأرجوانيّ. وقميصه الحريريّ الأبيض "الملحلح"[10] يبدو كمّاه، من عند الكتفين، واسعين. فوق القميص صديرى أسود مزرّر بالحرير، إلاّ اثنين من الأزرار، ينفتحان عند الصّدر، في عروة أحدهما بكلة[11] تمسك السّلسال الذّهبيّ الّذي يتدلّى حتّى الزّنّار في شبه دائرة ويصعد إلى جيب الصّديريّ حيث تختبىء ساعة سويسريّة، مشغولة باليد، وموسومة. وفوق كلّ هذا يلتفّ بحثويّة[12] صفراء، كابية، تقبر الصّقيع... في مرّات قليلة، في العام، يراه أهل المكان في زيٍّ غريب، بالغ الأناقة، حتّى يكادون لا يعرفونه، فيدركون أنّه على أهبة السّفر إلى بيروت لبعض شؤون المال، إذْ يرتدي بذلة "سموكن" سوداء فوق قميص أبيض ناصع، بياقة عالية، مكسورة الثّنيتين الأماميّتين المعقودتين بأنشوطة عريضة من الحرير الأسود. على رأسه يُميل قبّعة من الجوخ الرّماديّ المقوّى، فيبدو طويل القامة، بوجه أبيض حليق، يمتدّ شارباه حتّى الأذنين، ممّا يكسبه مهابة فوق مهابة المقام.

 

يأتي فرعون بيك إلى المكتب عند الضّحى، يتقدّمه زلمته الخاصّ طنّوس يحمل أركيلة فضّيّة العنق على جوزة[13] من الكريستال المحفّر، وباليد الأخرى يحمل طنّوس مجمرة نحاسيّة تتوهّج. تراه بعض العاملات عبرالشّبابيك فتسري همهمة في الصّفوف، فيتنحنح كبير النّظّار، فيسود صمت مطبق، كأنّ المعمل خالٍ من البشر إلاّ صوت الدّواليب تدور، والمقالي تصدم الخلاّقين. كلّ شيء على ما يرام...

 

في المكتب يفحص فرعون بيك الدّفاتر والأوراق. الموظّفون وقوف بين يديه، يرفع إليهم عينيه بين الحين والحين، يدلي بالملاحظات، يستدعي البعض، ويخلي البعض الآخر. يوبّخ دائماً لسبب ولغير سبب. يحرّك الكرباج على المكتب كلّما علت نبرة صوته. السّامعون مكتّفون، يجيبون بنعم نعم، أو يهزّون الرّأس موافقين، أو يرفعون اليد إلى الصّدر معتذرين عن هفواتٍ لم يرتكبوها، ويعدون بعدم التّكرار حتّى لا يتكدّر خاطر البيك. هكذا، وطنّوس، زلمة البيك، واقف عند الباب، ظهره إلى الحائط، مسبل اليدين إلى جنبيه، على أهبة الانقضاض إذا ما تحدّت ضحيّة غضب البيك، أو تململت لنقلة الكرباج من اليد اليسرى إلى اليد اليمنى، وهو ما لا يحدث إلاّ فيما ندر.

 

زلمة البيك، طنّوس هذا، هو ابن المرحوم يوسف بشارة الخشّاب، ثالث أخويه المهاجرين إلى كولومبيا. عازب، فقير معدم، يعيش مع أمّه الأرملة وأخته الصّغيرة في بيت قديم، غرفة وحيدة، مسقوفة بالأخشاب والتّراب،لا يملكون غيرها من ثابت ومنقول سوى مقصل[14] أمام الباب. تعيش معهم، في الغرفة نفسها، بقرة حلوب، وبضع دجاجات، تشكّل مصدر عيش العائلة، عيش كفاف واتّضاع كمعظم أهل القرى في ذلك الزّمن. وطنّوس ربعة من الرّجال. وجهه دمويّ، مزوّى، فوق رقبة غليظة محروقة. صارم النّظرات، بشاربين أشقرين يرتفعان مدبّبين فوق زاويتي فكّه الأسفل الأفقيّ النّاتىء. مجدول عضلات الزندين القصيرين، فهو كان خشّاباً كأبيه، متمرّس بضرب الفأس وامتشاق الخنجر، أيضاً. نزق الطّبع، شرّه قريب، سريع الانقضاض في الهوشات[15]، كباشق... من أجل كلّ تلك الصّفات نصح له من استشارهم فرعون بيك أن يكون طنّوس ياوره[16] الخاصّ.

 

على مثل هذه الحال عاش الفرعون وساد ردحاً من الزّمان لا يعكّر صفو تجبّره معكّر. يمون على الملاّكين يضمّنون توتهم لمن يرضى عليه من المربّين. يقدّر أثمان القزّ كما يهوى فتعلو الأثمان وتهبط تبعاً لمزاجه، وليس من يحتجّ. يطفّف في المكاييل ويجحف في الموازين ويحابي، فيذعن أصحاب البضاعة مع معرفتهم بمقادير ما قدّموا وبجودته، لأنّهم إذا رفضوا يرمي جنى تعبهم أمام الباب، فلا يجرؤون على سحبه، ولا يغامرون بنقله إلى مخانق خارج المنطقة. يستملح فتاةً من العاملات فيطلبها إلى الخدمة في الفيلاّ، فإذا أبت جاء أجرها، نهاية الأسبوع، ناقصاً بألف حجّة وحجّة، وقد تصل به الخسّة إلى طردها. يزيد من ساعات العمل ويقلّل من الأجر، فلا مَن يعترض لأنّ الحاجة عضّاضة، والكلّ محتاج. تدور أحاديث في المجالس، رفيعها ووضيعها، حول سلوكه الشّائن، فيغضّ الجميع النّظر لأنّ خطايا الغنيّ لا تقع تحت الحساب...

 

بقي صفو الزّمان، هذا، يرين على حياة الفرعون حتّى وصل إلى الدّير، دير الإرساليّة الأجنبيّة في هذه البلدة، رئيس جديد اسمه "صنصلاوص"[17]، كما درج اسمه على ألسنة عامّة النّاس. هذا المرسل الجديد كان راهباً نحيلاً، في عزّ شبابه، "شبعان من حليب أمّه"، كما يمثّلون، هنا، مكشوف الرّأس دائماً، أجلح قليلاً، فوق أنفه نظّارتان طبّيّتان، على ذقنه "سكسوكة" صهباء، مثلّثة، مدبّبة. ينسكب على قامته، حتّى الكاحلين، إسكيم[18] بنّيّ، مخصور بحزام جلديّ عريض، تتدلّى منه مسبحة طويلة من عجوات الزّيتون، بصليبها الخشبيّ، إلى أن يستقرّ قسم منها في جيبه. في صنداله الأسود تبدو قدماه العاريتان، صيفاً شتاءً. هو إيطاليّ الجنسيّة، يتمتّع بحماية خاصّة توفّرها له الامتيازات الّتي منحها السّلاطين العثمانيّون للأجانب على أراضي الامبراطوريّة... وصنصلاوص صلب الإرادة، حادّ الذّكاء، يحمل عِلماً وثقافة حديثين. غيور على الدّين والأخلاق، حريص على الكرامة البشريّة، يحمي الضّعفاء، يتربّص بالظّالمين، مشايخ كانوا أم أرباب أعمال، أم، حتّى، موظّفين عثمانيّين.

 

منذ وصل الأب الرّيّس التزم غرفته في الدّير خلال سنة انكبّ فيها على دراسة اللّغة العربيّة حتّى أتقنها. ثمّ اهتمّ بمراقبة أوضاع النّاس في البلدة فهاله ما عرف: قطيع كبير من البشر يرتع في الفقر والجهل والأوساخ والأوبئة. قطيع أهمله رعاته الرّوحيّون عن عجز وتواطؤ، وأرهقه أسياده الزّمنيّون عن جشع وسوء نيّة ...صمّم على حمل المسؤوليّة، وعلى أخذ مصالح العامّة بين يديه. خرج إلى الأحياء  يتواصل مع النّاس مباشرة، يدرس كلّ المشاكل حتّى الحميمة. صار يعرف كلّ شيء. كان يعود المرضى، يواسي الحزانى. يلاطف المتعبين. يخفّف عن المقهورين... فكان يلقى حبّاً وعرفاناً. "عرف خرافه، وخرافه عرفته". اطمأنّت إليه. شكّل لها املاً جديداً. تبعته! تلك المآسي ملأت أذنيه وعينيه فطفح قلبه بالحنان، ورصد ثروة صغيرة، ورثها عن أبويه، وراح يخفّف عن هؤلاء المبتلين، ما وسعته الحيلة، من عاهات اجتماعيّة أنزلها بهم زمنهم الرّديء. وقرع أبواب المؤسّسات الإنسانيّة في أوروبا، وأبواب المحسنين، يستجدي ما تجود به الضّمائر الحيّة لأجل فقرائه. لكنّ ما علم به من شائنات سيّد الكراخين ملأ نفسه بالقرف، فسعى جهده ليخفّف من مظالم ذلك السّيّد، ومن انحرافه، مرّة بالتّوسّط مع أصدقائه وحلفائه المشايخ، ومرّة أخرى بتحريض كهنة الرّعايا، وثالثة بمواجهته بالنّصح وبالموعظة الحسنة، حتّى التّملّق أحياناً، وبالاعتراض والاستنكار والوعيد في أحيان كثيرة...  كان يوفّق مرّات، وينكفىء مرّات، لكنّه كان يصرّ على المجاهدة من غير أن يتعب، إلى أن جاء يوم طنّوس!

 

... كان ذلك يوم مرضت أمّ طنّوس، فكان يوم بؤس على الجميع، وعلى الفرعون أيضاً. ذلك اليوم امتحن الشّرّير الملعون سيّد الكراخين والمشايخ ورئيس الدّير وكثيرين... يومذاك استأذن طنّوس الفرعون، بعد أن رفع الأركيلة من أمامه عند انتهاء " النّفس" وقال:

-         أتسمح لي، يا سيّدي، بعد أمرك، أن أغيب اليوم لأتدبّر شأن أمّي المريضة، ثمّ أعود غداً صباحاً؟

 

رفع الفرعون نظره إليه. حدّق في عينيه بنظرة صارمة، مستفهمة، ولربّما فهمها طنّوس مستنكرة، فكسر عينيه وخفض رأسه، وجمع يديه على صدره، وقال بصوت مخنوق:

-         أرجوك يا معلّمي. أمّي مريضة. مريضة. ما لها غيري. أتدبّرها كما أقدر، ثمّ أعود غداً. غداً صباحاً.

 

فأشار الفرعون بيده أن: اذهب.

 

ذهب طنّوس... لكنّه لم يعد في اليوم التّالي كما وعد. ولم يعد في اليوم الثّالث. عاد في الرّابع، ووصل متأخّراً. في حدود الظّهيرة. كذب على البيك ذي الجبروت. كأنّه أهانه إهانة كبرى. هكذا شعر البيك. لهذا تورّم قلبه بالغضب الّذي كبته ثلاثة أيّام. يجب أن يتربّى طنّوس. أن يتربّى به الرّائي والسّامع.

 

معاذالله أن يهين طنّوس البيك! هل يستطيع؟ هو أعجز عن أن يهين طفلاً! لكنّ طنّوس، رغم قساوة مظهره، رغم فحولته الجسديّة، يحمل في صدره قلب طفل! وعندما يتعلّق الأمر بأمّه ينبض في صدره قلب طفلة خائفة. كانت أمّه مريضة. مريضة جدّاً. تهزّ الحمّى جسدها الرّقيق هزّاً، كطربون[19] التّوت في مهبّ الرّيح. ضربة شمس، صفقة هواء؟ كانت تحشّ للبقرة في "جورة الشّمّيس". حملت العدل[20] المكبوس[21] وطلعت به التّل إلى ملطش[22] الهواء. كانت منقوعة في عرقها، فبردت ثيابها المبلولة عليها، فارتعش جسدها، ولمّا وصلت إلى البيت كانت الحمّى تتلّها[23] تلاً. بحث لها عن دواء. عصي عليه إيجاده. استشار "أبونا الرّيّس" فعادها الأب الرّئيس فأوصى بتغيير ثيابها كلّما ابتلّت. نصح بالنّظافة الدّائمة، وبالتّهوية وبالغذاء القويّ: دجاج مسلوق وحساؤه. ووصف لها تهبيلات[24] متواترة بماء أغصان الكينا المغليّة، وبراحة تامّة لأيّام، لا تبرح فيها الفراش. وقدّم مساعدة نقديّة وبرشانات[25]...

 

لم يستطع طنّوس أن يترك أمّه في مثل تلك الحال ليعود إلى "فرعونه". أمّه أحوج إليه. الفرعون لديه الشّباب والصّحّة والخدم والزّلم والطّبيب، وكلّ ما يتمتّع به ملك! امّ طنّوس ليس لها إلاً طنّوس ليتدبّر أمرها، تساعده أخيّة ضعيفة، لولا "أبونا الرّيّس" ماتت أمّ طنّوس! وإذا ماتت أمّ طنّوس بسبب تقصيره، ماذا يحلّ به؟ ماذا يفعل بنفسه؟ لذلك لم يعد إلى خدمة الفرعون إلاً في اليوم الرّابع، عندما شعر بأنّ أمّ طنّوس تحسّنت وتتحسّن.

 

كان الفرعون في طريق عودته من المكتب إلى الفيلاّ عندما لمح طنّوس يعبر البوّابة الخارجيّة فأدار ظهره ورتّب شيئاً ما في جيبه ومشى يحمل كرباجه. خطوات... سمع:

-         نهارك سعيد يا معلّمي. أنا رجعت. أم م ...

التفت الفرعون بحدّة ولم يدعه يكمل. صرخ:

-         رجعت؟ أه يا كذّاب. يا لصّ. يا حرامي...

وبالكرباج راح يلسعه أينما أصابه: على الوجه، على الرّأس، على الكتف، على السّاعد... لا يوفّر بقعة من جسده، لا يأبه لإلحاق الأذى بوجهٍ أو كتفٍ أو ظهر... وطنّوس يحمي وجهه ورأسه تارة بزنده الأيسر وأخرى بالأيمن. يتراجع امامه متباطئاً، متوسّلاً، راجياً:

-         أنا، يا معلّمي، حرامي؟ أنا يا معلّمي؟ أيش أيش عملت؟ ولو يا معلّمي، ولو... أنا، أنا...

يتوقّف الفرعون لاهثاً ليأخذ نفساً جديداً:

-         وْليه سرقت السّاعة. وين خبّيتا؟ هلّق بدّك تجيبها...

ويعود إلى تخبيطه بأعنف وهو يصرخ ليذلّه أكثر أمام كلّ مَن يسمع:

-         سرقت السّاعة يا حرامي. سرقت السّاعة وبعدك راجع لَهون؟

 

ويمضي في لسعه، لا يكفّ ولا يشبع... يخرج النّظّار إلى الباب، وتحتشد الشّبابيك بالعمّال والعاملات، فيلتفت الفرعون شزراً، فيهرول الجميع مبتعدين إلى الدّاخل، فلا يجرؤ أحد على التّدخّل. طنّوس يتوسّل ويحلف وينكر. الفرعون في هياجه ينزل به أوجع الضّربات حتّى حشره في الحائط وهو يتراجع أمامه، فصار طنّوس يدور على نفسه في مكانه، يروم هرباً ولا يملك هروباً. الفرعون يتابع الضّرب متلذّذاً بانتفاض الجسد القويّ تحت لسع الكرباج، بتقلّص ملامح الوجه من الألم الّذي لا تملك الضّحيّة المقهورة له ردّاً، باحتقان عروق الرّقبة الغليظة، بارتقاص الشّاربين المهانين برجولة صاحبهما... حتّى طارت لبّادة طنّوس فأصاب الكرباج نافوخه[26] العاريّ والتفّ على أذنه وخدّه يكويهما بأوجع ما يكون، فقدحت عيناه ألماً واشتعل كيانه غضباً، وطاش عقله الّذي كان مستسلماً، وفار طبعه النّزق... فلاقى الضّربة التّالية، من غير أن يعي ما يفعل، بكفّه، فصار الكرباج في يده، نتعه[27]، فاختلّ توازن الفرعون، ودار على نفسه دورةً ليصير، بعدها، ملقوحاً[28] على ظهره، على الأرض، ساقاه العاريتان في الهواء، في قدمه فردة المشّاية، والفردة الثّانية طارت تدور على نفسها قبل أن تقع بعيداً. طربوشه تدحرج معفّراً. ولمّا تراجع قنبازه، مقلوباً على صدره، انزلقت السّاعة، من جيبه إلى الأرض، متكوّماً عليها السّلسال الذّهبيّ، وعلى مرأى النظّار والعمّال الّذين هرولوا ليلمّوا الفرعون المتلوّث بالتّراب!...

 

... ذهل طنّوس وصعق! رمى الكرباج أمامه، وانفتل هارباً بأقصى سرعته، لا يلوي على شيء، واختفى...

 

قامت قيامة الأعيان في البلدة: زلمة البيك دفعه فأوقعه أرضاً. لن يمرّ تجرّؤ طنّوس من غير عقاب عسير. طنّوس سارق، طنّوس معتدٍ. طنّوس تجاوز الحدود كثيراً، وتجرّأ على المقامات...

 

بعد ذلك، من يصدّق طنّوس؟ طنّوس صعلوك. الصّعاليك لصوص كذّابون. الأغنياء صادقون وشرفاء... العمّال يعرفون الحقيقة؟ لكن، مَنْ يجرؤ على الشّهادة بالحقّ لصالح فقير ضدّ غنيّ في زمن الاستبداد والفاقة؟ الغنيّ دائماً على حقّ. الفقراء خوّافون، قلوبهم على مصالحهم، ومصالحهم مع الفرعون... ويا ذلّ مَن يفتح فمه بكلمة ولو كانت كلمة حقّ! لسانه يُقَصّ، لقمته تُقطَع.

 

في اليوم التّالي جاء القائمقام من المركز بنفسه ليقف على خاطر البيك وليتضامن معه، مصطحباً أربعة خيّالة للقبض على طنّوس. وعاد القائمقام بعد الوليمة، وبقي الخيّالة مع الأوامر المشدّدة بالقبض على طنّوس حيّاً او ميتاً... كانوا كلّ يوم يداهمون بيت أمّه الأرملة، وبيوت الأنسباء والجيران، يضربون، يهينون، يضايقون بكلّ وسيلة... ويحوّلون عند المختار آكلين شاربين، معلّقين لمطيّهم، ضاغطين على مختار الحيّ ليسعى بتسليم طنّوس... إلى أن ضاق الأمر بطنّوس خلال أسبوع، وهو في البرّيّة، يتجنّبه حتّى الأقربون خوف الاستدعاء والتّنكيل. لم يكن يجرؤ على المجيء إلى البيت خوف الوشاية، فالانتقام من أمّه وأخته، فرأى أن يلجأ إلى الدّير، إلى أبونا الرّيّس صنصلاوس، فتتحوّل الأنظار إلى هناك حيث لا تتجرّأ الحكومة أن تقتحم، لأنّ الدّير أجنبيّ محميّ!

 

الأب صنصلاوص عرف حقيقة الحادث مفصّلاً، وتأكّد أنّ طنّوس لم يسرق ولم يعتدِ. الفرعون زوّر واعتدى. قبل الأب طنّوس وطمّنه... وعلم الفرعون بلجوء طنّوس إلى الدّير فائتمر مع المشايخ الّذين لا يكنّون رضىً على الريّس، لأنّه يلاحق زلاّتهم ويوبّخهم ويهدّدهم ويحمي الضّعفاء. راجعوا القائمقام فاستدعى الريّس، فهزىء الريّس بالاستدعاء وبالمستدعي. اشتكى على الريّس إلى قنصل إيطاليا، فسأل عن حقيقة الحادث فتبيّنت له براءة طنّوس. سكت القنصل، لكنّ الفرعون والمشايخ والقائمقام لم يسكتوا. زاروا الأب الريّس، فاوضوه، رجوه، ألحّوا... كان جواب الأب الريّس الأخير:" لا أطرده ولا أستبقيه. الكاهن لا يطرد لاجئاً من بيته حتّى لو كان خاطئاً، فكيف إذا كان بريئاً؟ وهو بريء على حدّ علمي! إذا لم يبق للضّعفاء، حتّى الخطأة منهم، ملجأً في الأرض، فإلى أين يلجأون؟ ما قيمة إنسانيّتكم أيّها النّاس إذا كانت لا تنصرف إلاّ إلى الأسياد؟ إلى من لا يحتاجونها؟ " أليس لابن الإنسان أين يسند رأسه، بينما للوحوش أوجرة؟"

 

كان ذلك الحوار على مرأىً ومسمع من طنّوس المختبىء في الدّير، يراقب ويسمع من خلف أبواب مغلقة... "أبواب الدّير مفتوحة". هكذا قال الريّس. لا يجرؤ أحد على دخولها عنوة. لكنّ طنّوس، وقد انفعلت نفسه ممّا رأى وسمع، ضاق صدره بالأبواب المغلقة، وهو يجرؤ على الخروج منها، وعلى الاطمئنان على والدته وأخته، وعلى تنشّق نسيم الصّيف الطّلق!

 

خرج عند العصر. زار أمّه وقبّل يدها، فبكت وبكى وامتزجت دموعه بدموع أخته عندما عانقها... ثلاثة قلوب في محنة، طافحة بالأسى، ترجو فرجاً... خرج طنّوس من البيت شبه يائس، يملأ قلبه، مكان الدّموع الّتي سالت، غضب وحقد. سار في طريق العين. وصل ... تحت الدّلبة الوارفة، أحد أجراء الفرعون يملأ جراراً أربع على ظهر الحمار، من ماء طريّ، بارد، لذيذ. لا يشرب الفرعون من ماء القساطل الّتي تصل معمله من الينبوع البعيد. يشربها من ماء "عين السّتّ"، المشهور بعذوبته وخفّته وبالإحساس الهنيء الّذي يتركه في النّفس بعد كلّ شربة... فار غضب طنّوس عندما رأى الأجير والحمار والجرار، فاستلّ خنجره وهجم على الرّجل، فحاد هذا عن طريقه ورفع عصاه في وجه طنّوس صارخاً: "أنا ما خصّني، ما خصّني. أنا صاحبك، أنا معك، أنت عارف. أنا بدّي عيّش عيلتي"... فتحوّل طنّوس الغضبان إلى الجرار يحطّمها، وإلى الحمار يطعنه في رأسه، في رقبته، في كفليه... والحمار ينهق من ألمه، يدور على نفسه ويرفس الهواء، وطنّوس، في جنونه، لا يعي، لا يشفق، لا يرحم!

 

نام طنّوس، ليلتها في البرّيّة.

 

وصل الخبر إلى الأب الرئيس فطفح قلبه بالحزن.

وعاد الأجير إلى معلّمه الفرعون لا يحمل ماءً طريّاً بل حماراً مجرّحاً وحطام فخّار في السّريجة[29].

 

جريمة طنّوس، الآن، صريحة، موصوفة، واضحة كالشّمس. الحمار أصدق إنباء من كلّ الشّاهدين. إلى أين يا طنّوس؟

 

في صباح تلك اللّيلة الّتي لم ينمها طنّوس تحت سماء الصّيف ذات القناديل، بكّر إلى الدّير، لكنّه لم يجرؤ على قرع الباب. لطى وراء حائط قريب ينتظر الحلاّب، شريك الدّير، يصل بترويقة الرّهبان. انفتح الباب، فانقضّ طنّوس كالعقاب، وصار في الدّاخل أمام دهشة الحلاّب والشّمّاس[30] الّذي فتح الباب! جاء الريّس، فلم يدهشه مرأى طنّوس. إلى أين المفرّ؟ إنّما يلجأ إلى الحمى الحصين المهدّدون. وليس لأمثال طنّوس، في هذه الأرض الشّقيّة، إلاّ أمان الدّير... خرّ طنّوس على قدمي الريّس يريد تقبيلهما، فتراجع الريّس. عندئذ ضمّ طنّوس كفّيه ورفعهما أمام ذقنه. رفع عينيه إلى الأب الرّئيس، وقال بصوت مسحوق ما معناه: