back to Eaux-Kobayat back to Books |
وثيقة للنقاش
من أجل حملة وطنية للمحافظة على المياه
أزمة المياه في لبنان: أزمة إدارة رسمية فاسدة ومفسدة
المحافظة على المياه تستلزم حملة شعبية شاملة بوجه الخصخصة والفساد
د. جوزف عبدالله
شهد صيف هذا العام سلسلة تحركات رسمية وشعبية حول موضوع المياه. التحركات الرسمية تجلت في صدور عدة مراسيم تنظيمية لضبط عمل المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه، على قاعدة القانون 221 تاريخ 29-5-2000 الداعي إلى خصخصة قطاع المياه في لبنان، وتعديلاته، وقيام هذه المؤسسات بحملة لحل ودمج بعض لجان المياه الأهلية؛ أما التحركات الأهلية فظهرت بتحركات للنقابات العمالية رفضاً للخصخصة، وبقيام العاملين في مصالح المياه التي ألغاها هذا القانون بالمطالبة بحفظ حقوقهم، بالإضافة إلى تحرك المجتمعات المحلية دفاعاً عن لجان المياه الأهلية (التطوعية) التي قضى القانون الجديد بحلها وإلغائها نهائياً. وكان أبرز هذه التحركات ما قامت به بلدتا القبيات وعندقت في عكار، رفضاً لتسليم إدارة المياه إلى مؤسسة مياه لبنان الشمالي.
إن الاعتراض الشعبي على القانون 221، وعلى مساعي مؤسسة مياه لبنان الشمالي، تمخض عن تشكيل لجنة متابعة في القبيات وعندقت ضمت العديد من الفعاليات، بينها رئيسا البلدية في كل منهما وأعضاء المجلس البلدي والمخاتير والجمعيات الأهلية والناشطين في الحركات السياسية والثقافية والمهنية...، وأصدرت "لجنة المتابعة لقضية المياه في القبيات وعندقت" أكثر من نداء كان أبرزها: "نداء من أجل الحملة الوطنية للمحافظة على المياه، وتعديل القانون رقم 221 "تنظيم قطاع المياه"، ورفض خصخصة قطاع المياه".
تجاوباً مع هذا النداء الذي دعا إلى عقد لقاءات ومؤتمرات لتوضيح طبيعة أزمة المياه في لبنان، من حيث إدارتها وكلفتها وعلاقة المواطنين بها، وضعنا هذا البحث المقتضب، على أمل مناقشته من قبل القراء والمواطنين، وليشكل مدخلاً على حوار جدي حول المياه.
1- يعيش لبنان أزمة مائية عميقة وخطيرة تتجلى في نقص القدرة على تأمين الخدمات المائية للمواطنين، كتوفير مياه الشرب والخدمة المنزلية ومياه الري ومعالجة المياه المبتذلة والمحافظة على سلامة المياه اللبنانية من التلوث، فضلاً عن العجز عن المحافظة على كميات المياه المتساقطة والجارية. وليس هناك شك بأن الحكومات المتعاقبة منذ حوالي 15 سنة مسؤولة، بحكم السياسات المائية المتبعة، عن هذه الأزمة التي تشكل جزءاً من الأزمة العامة التي تتخبط فيها البلاد على شتى الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ولعل هذه الأزمة المائية تظهر في عكار، على الرغم من غناها بالمياه، أكثر مما تظهر في غيرها من المناطق اللبنانية. ومعظم ما تقوم به المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه يركز الجهد في المدن الكبرى، ويبقي الفتات للمناطق الريفية، ومنها عكار.
تتجلى هذه الأزمة المائية في عكار في مجالات متعددة أبرزها:
- العجز المستمر في مؤسسة مياه لبنان الشمالي (والموروث عن المصالح المائية السابقة عليها في الشمال) عن توفير المياه (للشرب والخدمة المنزلية، وللري، ومعالجة المياه المبتذلة، والمحافظة على المياه من التلوث...). إن معظم البلدات والقرى العكارية التابعة في الخدمات المائية لمؤسسة مياه لبنان الشمالي تعاني أزمة الانقطاع المستمر لمياه الشرب، حتى أن الكثير من المواطنين ألغى اشتراكه بمؤسسة مياه لبنان الشمالي واستعاض عنه بحفر بئر ارتوازية، أو باشتراك في بئر خاصة. ناهيك عن غياب الاهتمام المطلق بمياه الري أو بمعالجة المياه المبتذلة.
- عدم قدرة مؤسسة مياه لبنان الشمالي على توفير أبسط أشكال البنية التحتية اللازمة لاستخدام المياه: شبكات المياه وخزانات (لمياه الشرب والخدمة المنزلية)، وأقنية الري، ومحطات تكرير المياه المبتذلة، والسدود... إن معظم قرى أكروم مثلاً لا توجد فيها خزانات وشبكات للمياه، كما لا توجد أقنية للري في كل عكار، وحتى مشروع بركة الكواشرة فقد أصبح رميماً، أما محطات التكرير فهي نادرة، والقليل الموجود منها تمّ بمبادرة شراكة من مؤسسات المجتمع الأهلي المحلية والعالمية والبلديات (هناك واحدة تم إنشاؤها بمبادرة من البعثة البابوية وبالتعاون بين بلديتي القبيات وعندقت، وهي غير مكتملة، وأخرى في بلدة الشيخ محمد...).
- العجز المستمر في مؤسسة مياه لبنان الشمالي عن تلبية حاجاتها المالية، ولعل ذلك يعود، في قسم أساسي منه، إلى امتناع المشتركين عن تسديد بدلات اشتراكهم كرد فعل على العجز المزمن عن توفير المياه لهؤلاء المشتركين.
- الغياب التام للاهتمام بحماية البيئة، وبحماية الينابيع والمياه الجارية والجوفية من التلوث.
- لا يعني ذلك أن مؤسسة مياه لبنان الشمالي (وبالأصح المصالح المائية السابقة عليها في الشمال، ووزارة الطاقة والمياه، ومجلس الإنماء والإعمار) لم تصرف المبالغ الطائلة تحت شعار توفير البنى التحتية للخدمات المائية. بل على العكس، لقد تم صرف المليارات في هذا المجال. ولكن المشاريع التي صرفت عليها هذه الأموال كانت مرتجلة وفوضوية ومعظمها جاء كتوزيع للمنافع على المحسوبيات من الملتزمين والمتعهدين، وفق منطق الفساد والهدر السائد في البلاد.
ولعل بضع بلدات وقرى عكارية تشهد حالة من الاكتفاء المائي على صعيد الشرب والخدمة المنزلية والري. وذلك لكون إدارة واستثمار المياه فيها هي بعهدة لجان أهلية محلية أو في عهدة البلديات، مثل القبيات وعندقت وفنيدق وبزبينا ورحبة وسيسوق. أما بلدة عكار العتيقة فتعيش نوعاً من الاكتفاء المائي على الرغم من عدم وجود لجنة محلية ومن عدم تدخل البلدية في إدارة المياه، بل بفعل مبادرات فردية غير متكاملة.
2- تحاول الدولة اللبنانية مواجهة الأزمة المائية باعتماد سياسة مائية تحمل المواطنين أعباء هذه الأزمة وأعباء الفشل المتولد عن منهج الفساد والهدر الذي يتحكم بمجمل السياسة العامة في البلاد. وكان آخر ما لجأت إليه الدولة هو إصدار القانون رقم 221 تاريخ 29 أيار 2000، وتعديلاته المتلاحقة والمراسيم التطبيقية له التي جاء آخرها في ربيع وصيف العام 2005.
إن القانون رقم 221 المخصص من أجل "تنظيم قطاع المياه" في لبنان (وتعديلاته المتلاحقة والمراسيم التنظيمية المرتبطة به) يشكل خطراً على المياه كثروة عامة، كما يشكل تعدياً على الحقوق المكتسبة على المياه بوصف هذه الحقوق من صنف الحقوق العينية، ومن نوع الملكية الفردية الخاصة. فضلاً عن تجاوزه لكل أشكال الإدارة اللامركزية للمياه (اللجان المحلية والبلديات).
- نصت الفقرة 3 من المادة الثانية على: "وضع مشروع التصميم العام لتخصيص وتوزيع الموارد المائية للشرب والري على نطاق الدولة...". ليس من العبث أن تأتي الخصخصة في طليعة اهتمامات الدولة في "تنظيم قطاع المياه"، فهذا يؤشر على اعتماد سياسة سترهن القرار المائي بالشركات المائية العالمية وبمؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. والخصخصة التي باشرت بها أولاً مؤسسة مياه لبنان الشمالي، في نهاية العام 2002، هي من نوع خصخصة الإدارة المقترنة بالحصول على قروض مشروطة قاسية للغاية، وستكلف المواطن أعباءً مالية مرهقة، كما سنبين لاحقاً تحت عنواني: "الإطار العالمي لخصخصة المياه" و"قصة خصخصة المياه في لبنان".
- لا يعترف هذا القانون في أية مادة من مواده (كما لا تلحظ تعديلاته المتلاحقة والمراسيم التطبيقية المرتبطة به) بالحقوق المكتسبة على المياه المكرسة بالقوانين وبالسجلات العقارية وبالعرف والعادة. وكأن المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه قد مارست الاستملاك غير المباشر للحقوق المكتسبة على المياه، عبر وضع يدها عليها، ودون أن تسلك طرق الاستملاك العادية. وهذا ما سنعرضه بالتفصيل تحت عنوان "الحقوق المكتسبة على المياه".
- ألغت المادة الثامنة من القانون رقم 221، والمرسوم رقم 8122 (تحديد بعض دقائق القانون رقم 221) تاريخ 3 تموز 2002، اللجان المحلية ودور البلديات في إدارة المياه. ومن المعروف أن اللجان المحلية والبلديات تقوم بإدارة المياه إدارة ناجحة بعكس تلك الإدارة العامة التي تشوبها العيوب ويعتريها الفساد والهدر المعروفين. وهذا ما سنعرضه، على سبيل المقارنة بين الإدارة العامة المركزية والإدارة المحلية (اللجان المحلية أو البلديات) اللامركزية، تحت عنوان "الإدارة المحلية للمياه والإدارة المركزية".
- تؤكد مؤسسة مياه لبنان الشمالي، في جميع المراسيم التنظيمية الناظمة لعملها، على رغبتها برفع تعرفة الاشتراك بمياه الشرب والري معاً، وذلك ينسجم تماماً مع الدعوات الرسمية المحلية والدولية المهتمة بالمياه اللبنانية. وكأن المواطن اللبناني لا يكفيه أنه يدفع فاتورة كهرباء واتصالات هي من الأغلى في والعالم.
......................................................................
أ- ما معنى الحقوق المكتسبة على المياه؟
المياه مصدر أساسي لحياة الإنسان (كل الإنسانية) ونشاطه وبيئته. وهي إرث وطني مشترك بين جميع اللبنانيين، ولذلك هي ملكية عامة يحرص الدستور والقانون على تحديد طبيعتها وكيفية التصرف بها وفق مقتضيات السيادة الوطنية والمنفعة العامة. لقد نصت المادة الأولى من القرار رقم 144: "تشمل الأملاك العمومية... جميع الأشياء المعدة بسبب طبيعتها لاستعمال الجميع أو لاستعمال مصلحة عمومية. وهي لا تباع ولا تكتسب ملكيتها بمرور الزمن". ومن الأملاك العمومية المياه الجارية، السطحية وتحت الأرض، والينابيع من أي نوع كانت، والبحيرات...
ويحدد القرار 144 المعدل بالقرار 11 بتاريخ 13 كانون الثاني 1940 الخاص بالملك العام والقرار رقم 320 الصادر بتاريخ 26 أيار 1926 كيفية "المحافظة على مياه الأملاك العمومية".
ولكن المياه أيضاً هي "حقوق مكتسبة" للجماعات والأفراد يحفظها الدستور والقانون. فمن حق الجماعات والأفراد الانتفاع من المياه وفق طرق ومقادير يحددها العرف والقانون. وحقوق الانتفاع هذه تعرف بالحقوق المكتسبة على المياه. وهي حقوق فردية بالحصول على مياه الشرب وعلى مياه الري من الينابيع والأنهار.
لا تظهر الحقوق المكتسبة على المياه في كل الأمكنة والمجتمعات. فمجتمعات المدينة التي لا تخترقها المجاري المائية مثلاً قلما تعرف الحقوق المكتسبة على المياه، أو تهتم بها لفقدان الزراعة المروية أهميتها في الحياة الاجتماعية في المدن. وكذلك الأمر في المناطق الريفية حيث تسود الزراعة البعلية. ولكن حيثما وجدت عبر الزمن واستمرت حتى اليوم ينابيع ومجاري مائية طبيعية، استخدمتها المجتمعات المحلية، المنتشرة من منبع المياه وعلى طول مجراها، في شربها وري زراعتها، نشأت الحقوق المكتسبة على المياه التي كرستها القوانين والأعراف.
ولقد كفل الدستور والقانون هذه الحقوق المكتسبة في القرار رقم 144 تاريخ 10-6-1925 (الأملاك العمومية) وفي القرار رقم 320 تاريخ 26-5-1926 (المحافظة على مياه الأملاك العمومية واستعمالها)، وفي القرارات 186 و187 و188 الصادرة بتاريخ 15-3-1926 (إنشاء السجل العقاري). فالمادة 8 من القرار 188 المعدلة بالقرار 215 بتاريخ 26-12-1933 لحظت: "يكون لقيود السجل العقاري قوة ثبوتية... على صحة الوقائع الواردة فيها". كما أن المادة 17 من القرار 188 المعدلة بالقرار 45 بتاريخ 20-4-1932 تنص على "إن الحقوق العينية المسجلة في السجل العقاري وفقاً لمنطوق محاضر التحديد والتحرير لا يمكن الطعن بها".
وينطلق مبدأ الحقوق المكتسبة من المادة الثالثة من القرار 144 المذكور حيث نص: "إن الأشخاص الذين لهم على ملحقات الأملاك العمومية كما هي محددة في هذا القرار حقوق ملكية أو تصرف أو استمتاع بموجب العادات المتبعة أو سندات قانونية ونهائية... لا يمكن انتزاعها منهم إذا أحوجت إلى ذلك المنفعة العامة الضرورية إلاّ بعد دفع تعويض عادل ومسبق". و"التعويض عند تصفية الحقوق المكتسبة على المياه لا يترتب فقط عن كون الأراضي مروية أو غير مروية، إنما يتوجب بمقتضى المادة الثالثة من القرار 144 على الحرمان من الحق ذاته سواء كان هذا الحق مستعملاً أم غير مستعمل"[1].
إن هذه الحقوق المكتسبة "الفردية" في الاستفادة من مياه الينابيع والأنهار مكرسة بمحاضر المساحة العائدة لأملاك المواطنين بالعبارة الآتية: "منتفعة بالري من مياه نبع..." ، أو بحكم العرف والعادة المتبعين منذ مئات السنين. إن قيمة الأراضي المروية أكبر من الأراضي البعلية بما للأراضي المروية من حقوق في مياه الينابيع والأنهار التي ترويها وفق العرف والتقليد المتبعين.
إن الحقوق المكتسبة على المياه هي بمثابة حقوق الملكية الفردية الخاصة التي لا يجوز المس بها، وهي من نوع الحق العيني على الأملاك العامة. فالدستور اللبناني في المادة 15 منه ضمن هذه الحقوق، ووضع شروط وأصول انتزاع الدولة لها: "الملكية في حمى القانون فلا يجوز أن ينزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة وفي الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً".
إن هذه الحقوق المكتسبة على المياه، خاصة في مجال الري، تنطوي على طرق وأساليب تعتمدها منذ مئات السنين الجماعات المحلية في ري مزروعاتها، بطريقة الشورى والاختيار في تعيين "الشاوي" وفق رغبتها، أو في اختيار اللجان المحلية لإدارة شؤون المياه أو إدارتها من قبل البلديات. ومن هنا للجماعات المحلية حقوق في كيفية إدارة المياه وليس فقط في الانتفاع منها.
فكيف تسوغ وزارة الطاقة والمياه لنفسها انتزاع هذه الحقوق المكتسبة بغير ما يقضي به الدستور والقوانين المرعية؟ وهل يسكت المواطن على انتزاع حقوقه، ويقبل بتسليمها إلى الشركات المائية الأجنبية لتتصرف بها بدون رغبته وموافقته؟ إن "الدولة مسؤولة عن تقصيرها في حماية الحقوق المعترف بها وتقاعسها عن منع التعديات عليها"[2]، و"تسأل الدولة التعويض عن تقاعسها في رفع الاعتداءات على المياه تجاه أصحاب الحقوق المكتسبة على هذه المياه"[3]. ولكن إذا تقاعست الدولة عن القيام بواجباتها، فإن المواطن لن يسكت عن المطالبة بحقوقه.
ب- أين الخطر على الحقوق المكتسبة على المياه؟
1- لقد تم وضع القانون رقم 221 تاريخ 29 أيار 2000 (وتعديلاته اللاحقة)، والمعروف باسم "قانون رقم 221، تنظيم قطاع المياه"، من أجل الشروع بخصخصة المياه في لبنان. إن "الفقرة 3" من المادة الثانية من القانون رقم 221 تقول صراحة، وبلا مواربة: "وضع مشروع التصميم العام لتخصيص وتوزيع الموارد المائية للشرب والري على نطاق الدولة ووضع مشروع المخطط التوجيهي العام للمياه والصرف الصحي وتحديثه باستمرار ورفعه بواسطة الوزير إلى مجلس الوزراء".
إن القانون رقم 221 تاريخ 29 أيار 2000 الذي أغفل تماماً الحقوق المكتسبة على المياه يسعى إلى خصخصة هذه الحقوق المكتسبة وهي ملكية خاصة، وليست ملكية عامة. فكيف يخصخص ما هو ملك خاص؟ وبهذه الطريقة في تنظيم قطاع المياه في لبنان؟
إن مشروع خصخصة المياه لم يأخذ بعين الاعتبار أية حقوق مكتسبة على المياه، وعليه تتصرف وزارة الطاقة والمياه بهذه الحقوق المكتسبة وكأنها غير موجودة، وبذلك تكون قد انتزعتها من أصحابها بغير مسوغ قانوني. وصارت مياه الشرب والري التي كانت ملكية للجماعات والمواطنين ويحفظها القانون (فضلاً عن كونها ملكية عامة)، مادة غريبة عنهم ولم تعد بتصرفهم. وصار استخدام المواطنين لما هو ملك لهم مرهون بإرادة ومشاريع الشركات الأجنبية التي تفوز بعقود الخصخصة.
2- إن المرسوم رقم 14603 تاريخ 14 حزيران 2005، الذي يحدد نظام استثمار مؤسسة مياه لبنان الشمالي، تجاهل الحقوق المكتسبة على المياه. فالمادة الأولى من المرسوم نصت: "يحدد هذا النظام علاقة المؤسسة بالمشتركين والمنتفعين من مياه الشفة والري وجمع ومعالجة وتصريف المياه المبتذلة ضمن نطاق استثمارها". ولكنه لم يشر مطلقاً إلى أصحاب الحقوق المكتسبة وتجاهلها تجاهلاً كاملاً في كافة مواد المرسوم وبنوده، خاصة وأن المادة 57 من هذا المرسوم حددت "المستفيد من مياه الري" حصراً بالمشتركين الذين يوقعون عقد اشتراك مدفوع البدلات عن خدمات الري: "يستفيد من توزيع مياه الري كل شخص طبيعي أو معنوي وقعت معه المؤسسة عقد اشتراك منظماً حسب الأصول".
كما نصت "الفقرة ب" من المادة الرابعة من القانون رقم 221 (29-5-2000) على أن من مهام كل واحدة من "المؤسسات الاستثمارية العامة للمياه": "اقتراح تعرفات لخدمات مياه الشفة والري وتصريف المياه المبتذلة...". وحددت المادة الحادية والسبعون من المرسوم رقم 14603 (14-6-2005) أنواع الكلفة التي ستقع على المستفيد من مياه الري: "تستوفي المؤسسة البدلات التالية: 1- في حال عدم وجود عداد: بدل ري بالجاذبية، بدل ري بالضخ؛ 2- في حال وجود عداد: بدل المتر المكعب المستهلك من المياه؛ 3- بدل عداد سنوي مقطوع وفقاً لقياس العداد؛ 4- بدل وصل على شبكة الري؛ 5- بدل براءة ذمة؛ 6- بدل إفادة بعدم انتفاع؛ 7- بدل كشف؛ 8- بدل تركيب محرك ضخ جديد على أقنية الري؛ 9- بدل مرور قساطل فوق قناة رئيسية؛ 10- بدل إنشاء عبارة فوق قناة رئيسية. تفصل هذه البدلات عند الحاجة وتحدد تعرفتها بموجب لائحة سنوية يقرها مجلس الإدارة وتصدق من قبل سلطة الوصاية". هذا فضلاً عن أكلاف إضافية تقتضيها الشروط التي نصت عليها مواد المرسوم رقم 14603، من المادة 58 حتى المادة 70.
وخلاصة الأمر، أن تنظيم قطاع المياه، على الشكل المبين أعلاه بسرعة، ألغى تماماً الحقوق المكتسبة على المياه. وحول هذه الحقوق المكتسبة التي كانت توفر المياه للري بشكل مجاني تقريباً، إلى سلعة يدفع ثمنها من كان قبل تطبيق القوانين الجديدة يحصل عليها مجاناً تقريباً.
كان على المرسوم رقم 14603 (14-6-2005)، وغيره من القوانين الناظمة لقطاع المياه في لبنان، أن يتعرف إلى الحقوق المكتسبة على المياه: "إن المعرفة الإدارية للحقوق المكتسبة على المياه تجري وفقاً لنص المادة 21 من القرار 320 (26-5-1926) إما بطلب من صاحب العلاقة الذي يرغب في أن يُعترف له بالحق الذي يتصرف به، وإما بمبادرة من الإدارة المختصة إذا كان الأمر متعلقاً بدرس عام لتهيئة حوض ماء أو لوضع إحصاء بالمنافع المائية الموجودة في إحدى المناطق"[4].
وبما أن كل من القانون 221 (29 أيار 2000) والمرسوم رقم 8122 (3-7-2002) والمرسوم رقم 14603 (14-6-2005) يتعلق بتهيئة أحواض مائية، فقد كان على الإدارة أن تهتم بمعرفة الحقوق المكتسبة على المياه وذلك لأن "المباشرة بعمليات معرفة الحقوق المكتسبة على المياه، بمبادرة من الدولة أو من أحد الأفراد، تؤدي بصورة غير مباشرة إلى تحديد المنسوب الباقي من الملك العام: أي منسوب مجرى الماء الذي تحسم منه الكمية التي اكتسبت عليها الحقوق..."[5]. وذلك لأنه "ليس بوسع الإدارة العامة أن تتصرف إزاء الحقوق المكتسبة كما لو كانت هذه الحقوق من ملحقات الملك العام. فليس باستطاعتها أن تطبق على هذه الحقوق نظام الأملاك العامة"[6]. خاصة وأن "مجلس الشورى قرر بأنه من غير الجائز إعطاء الترخيص باستعمال الفائض من المياه قبل تحديد الحقوق المكتسبة على المياه"[7].
3- نصت المادة الثالثة من القانون رقم 221 على إنشاء "المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه". وهي أربع مؤسسات: واحدة في بيروت وجبل لبنان، ومركزها بيروت؛ وثانية في الشمال، ومركزها طرابلس؛ وثالثة في البقاع، ومركزها زحلة؛ ورابعة في الجنوب، ومركزها صيدا. و"تتمتع المؤسسات المذكورة بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري...". ورسم المرسوم رقم 8122 تاريخ 3 تموز 2002 (تحديد بعض دقائق تطبيق القانون رقم 221): "المادة الأولى: تدمج المصالح المستقلة والمشاريع واللجان القائمة حالياً بإدارة واستثمار مياه الشفة والري، في المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه... ويحدد تباعاً بقرار من وزير الطاقة والمياه بناءً لاقتراح مجلس إدارة المؤسسة العامة الاستثمارية للمياه المعنية تاريخ توقف كل مصلحة أو لجنة أو مشروع عن العمل...".
إن المرسوم رقم 14913، تاريخ 5 تموز 2005، الذي حدد "تنظيم مؤسسة مياه لبنان الشمالي وتحديد ملاكها..." عدل بطبيعة مصالح المياه وتسميتها، ودمجها ببعضها البعض، وصار تنظيمها الجغرافي والإداري مرتبط بما يسمى "مديرية الاستثمار"، وصارت مديرية استثمار لبنان الشمالي عبارة عن ثلاث مصالح (المادة 53): مصلحة طرابلس وجوارها؛ مصلحة الناحية الشمالية وفيها (المادة 63) أربع دوائر: الضنية، المنية، حلبا، عكار؛ مصلحة الناحية الجنوبية وفيها (المادة 64) أربع دوائر: زغرتا، بشري، الكورة، البترون. وتقدر مؤسسة مياه لبنان الشمالي، وفق المرسوم رقم 14913، عدد العاملين الذين يجب توفرهم بحدود 1271 موظفاً وعاملاً، منهم 422 إدارياً و849 فنياً، موزعين على فئات ورتب وتتراوح رواتبهم الشهرية (بالليرة اللبنانية)، في الحد الأدنى بين 2500000 للمدير العام، وبدرجة 100 ألف، و375000 للعامل في السلك الإداري من أدنى فئة وبدرجة 20000، و455000 للعامل في السلك الفني من أدنى فئة؛ وتتراوح في الحد الأقصى بين 4600000 للمدير العام، و900000 للعامل في السلك الإداري من أدنى فئة، و1020000 للعامل في السلك الفني من أدنى فئة.
وهكذا فإن التنظيم الجديد الذي يقضي به القانون رقم 221 (29-5-2000) وتعديلاته والمرسوم رقم 14603 (14-6-2005) والمرسوم 14913 (5-7-2005) ألغى كل أشكال الإدارة المحلية للمياه والتي كانت تنظمها المجتمعات المحلية أو تقوم بها البلديات، واستبدلها بإدارة مركزية مثقلة بهرمية من الموظفين الذين سيكلفون الكثير من الأعباء لإنجاز ما كان تقوم به إدارة محلية تطوعية. وفوق ذلك تأتي الخصخصة لتزيد من الأعباء المالية التي سيترتب على مستهلكي المياه تسديدها. وفي كل الحالات ألغت هذه القوانين الحقوق المكتسبة على المياه، بإلغائها الحق المتعارف عليه منذ مئات السنين بإدارة هذا الحق إدارة محلية غير معقدة وأقل كلفة بكثير. ومن هذه الإدارات المحلية لجان القرى لمياه الشرب خاصة، ومؤسسة "الشاوي" لمياه الري.
ج- الحقوق المكتسبة "مشكلة"؟! والتعدي عليها حلّ؟!