| Webmaster Elie: elie@kobayat.org |
|
Back to Books |
حـــشّـــور
Also in
PDF file
أيها القارئ العزيز
إنه مولودٌ جديد من جعبة لا تنضب. فالأب منير فتّش وفتّش، وعرف أن يسبر عقول الأولاد والأطفال. وهذا ليس غريباً عنه، فلقد كان الكشّاف والمربي والكاهن، قبل أن تُدركه حِرفة الكتابة والتأليف. فتح الكاتب عينيه على أمورِ المجتمع المتنوِّعة، وأراد وصفها فلم يجد خيراً من الأمثال القصصيّة وسيلة. و"حشّور" هذا، هو المثال الصارخ المضخّم لأحلام الطفولة وتصرّفاتها.
وقد يكون "حشّور" طفلاً حقيقياً وقد لا يكون، ولكنه في الحالين يقدّم لنا صورة لحياة الأطفال اليوميّة على بساطتها بالأسرار.
إن طفولتنا، طفولة الأمس، كانت أكثر إلتصاقاً بالطبيعة، بينما طفولة اليوم تضجّ بالمشاهدات والاكتشافات، "فلحام الكهرباء"، وأعياد الميلاد وهداياها، و"القجّة"، وحدائق الحيوان، و"بريز الكهرباء"، والسيّارات، والنظّارات... هي أمور جديدة، يعيشها طفل اليوم ويتصرّف تجاهها بما يزيّن له عقله أن يفعل. والأب منير إلتقط بنظرٍ ثاقب هذه الصور، وقدّمها للقراء، قي قالبِ أمثالٍ قصصيّة قصيرة، فيها المتعة والمغزى. وسرّ هذه الأمثلة يكمن في كونها تقلّ وتدلّ، فتبقى في الذاكرة لنتعلّم منها حكمة التصرّف. وقديماً قيل: العلم اكتساب، والحكمة استنساب.
فإلى المزيد من العطاء أيها الأب الفاضل، لأن النفوس عطشى والفَعَلة قليلون.
نعمة الله مخايل مجاز في الأدب العربي |
الفضول
الفضولي (الحشور)، وهو الذي يتدخّل في ما لا يعنيه، فتصيبه أمورٌ لا تُرضيه. ولنا في كتاب "الحرب الروحية" عن الفضول، بعض الشروح.
عنوان المقال: "في حراسة العقل، وصونه من الفضول المجنون، ومن كثرة المعرفة غير المفيدة"
والفضول (المجنون) يختلف تماماً عن الترقّي في العلوم، والتقدّم في الاكتشافات، والاختراعات. كما أن شحن العقل بكثرة المعلومات غير اللازمة، قد يؤول إلى تشتيت الذهن، وإلى عدم القدرة على التمييز بين ما هو نافع وغير نافع. ويتولّد أيضاً من كثرة التساؤل والإستفسار فضولٌ، أو جنوحٌ للتدخّل في خصوصيات الآخرين والوشايات، حيث تكثر في هكذا أجواء الخلافات والمشاكل. وبهذا يكون الشرير قد ربح في حربه ضدّنا، وعمل على إلهائنا وإضاعة وقتنا وإغراقنا في مشاكل نحن بغنى عنها. إنتهى المقال
وما إشباع الفضول لمعرفة كل ما يدور حولنا، سوى عادة من العادات السيئة. يمكن لها أن تغيّر مجرى حياتنا. وما تأصّلت هكذا عادات إلا بأفعال (حشرية) متنوّعة. جرّب، ذُق، حاول، أنظر...إلخ.
وأعمال (الحشرية) لا يُفترض لها أن تمرّ بسلام فقد تكون أحياناً قاتلة، أو يمكن لها أن تسبّب لأصحابها المزيد من الآلام والأحزان.
وهذه القصص التي سنتطرّق إليها، ليست سوى صورة مبسّطة عن (الحشرية) في مجتمعاتنا.
ومع التسلية والفرح الممزوج بالحزن، نكون قد ألقينا الضوء على جانب من الفضول ونتائجه، ونكون في الوقت ذاته، قد حذّرنا القارئ من مساوئه.
الكـاتب الأب منير حاكمة |
حشور وعلب الهدايا
يريد أن يعرف كل شيء، ويتدخّل في كل شيء، يحبّ أن يجرّب كل شيء، ولا يهتمّ لشيء.
يفتح الخزانة والأدراج، يتلهى بالبرّاد والثلاجة، يستعمل الراديو والتلفزيون، يفلت الشاكوش ويلتقط السكين، يزيح المقعد ويلبط الكرسي، يمسك بهذا الشيء ويترك الآخر، وهكذا دواليك داخل البيت وخارجه، ورغم كل التنبيهات والتحذيرات، فهو مستمر في حشريته، (وولدناته).
إنه مولع بفتح علب الهدايا، منها الهدايا المهداة لأهله، ومنها التي سيهدونها هم بدورهم.
وكم من مرة إذا تأخّر الأهل بحمل الهدية، يجدون ولدهم وهو يكشف عما تحويه، فيضطرون لتغليفها من جديد.
وبعد أن استنفد الوالدان الطرق كلها. إتفقا على أن يُحضرا علبةً مغلّفةً ومزيّنةً ، ويضعاها على طاولة الصالون.
وما إن خرج الوالدان من البيت حتى دخل حشور إلى الصالون مسرعاً، ليفتح العلبة ويعرف ما في داخلها.
أخذ يفتح العلبة بهدوء، ثم نظر إلى داخلها فلم يجد شيئاً ، نظر إليها جيداً، ثم قلبها فوجد ورقةً مكتوباً عليها: إلى ولدي الحبيب، كم تمنّيت لو تغيّر عادتك السيّئة هذه، لكنك تستحق هذا اللقب:
فاسلم لي يا أكبر (حشور)
حشور رقم 22
ذات يوم، مرّ حشور قرب مستشفى الأمراض العقلية، فسمع من وراء السّور العالي، أصواتاً تتردّد، لم يتمكن من تحديد معناها، ولا من فهم كلماتها.
وكان كلّما اقترب من (التصوينة)، كانت هذه الأصوات تتّضح أكثر فأكثر. وعرف أن وراء السور مجموعة من الرجال تُردّد باستمرار: واحد وعشرون، واحد وعشرون.
راح يتساءل متعجباً! لماذا هذا الرقم بالذات؟ ولماذا تكراره؟
وفيما هو يتطلّع، لاحظ وسط حائط التصوينة قسطَل ماءٍ فارغاً، فدفعته حشريته كي ينظر خلاله علّه يرى ما يجري وراء السور.
وما إن وضع عينه على القسطل ليتحقّق من الأمر، حتى سمع نفخةً قويةً من الداخل وبعض الرماد يملأ عينه. إرتدّ بسرعة وأخذ يفركها بيده، وينظفها متألماً مما دخل فيها من رماد.
كلّ ذلك كان على وقع ضحكاتٍ عاليةٍ كانت تطنّ في أذنيه، وأصواتٍ تتكرّر كالسابق، ولكن هذه المرة برقمٍ زيادة قائلين: إثنان وعشرون، إثنان وعشرون... .
حشّور (مورَّم)
إنها العطلة الصيفية، وبمناسبة عيد ميلاد أحد الأصدقا، كان حشّور من بين المدعوين إلى هذه المناسبة.
إن حشوراً من سكان المدينة، لكن قرية صديقه قريبة، فأوصله والده صباحاً مع هدية صغيرة، متمنياً له وقتاً ممتعاً، على أن يعود الوالد ظهراً ويصطحبه.
بيت رفيقه بيت جميل يقع على منحدر في طرف القرية، تحيط به الأشجار المثمرة، والأزهار الفوّاحة. وعلى جانبي المدخل بساط أخضر ساحر. وفيما كان صاحبنا يَعبُر المدخل الطويل، لاحظ وجود صناديق بيضاء في زاوية الحديقة، بعيدة عن بعضها. فأخذ يتساءل: لماذا هذه الصناديق؟ ولماذا وُضعت بهذا الشكل؟ لماذا لم يضعها صاحبها فوق بعضها في القبو مثلاً؟
وبعدما دخل حشور وسلّم على الجميع، وقدّم الهدية، بقي يفكّر، ما عسى تكون هذه الصناديق؟
ثم شارك مع الجميع في قصّ قالب الحلوى، والتهاني بالعيد، وملأ صحنه من أنواع الضيافة، فأكلها على عجل، وانسحب رويداً باتجاه طرف الحديقة.
نظر إلى الصناديق عن قرب، راقبها فرأى فيها ذُبابات كبيرة، في خروج ودخول مستمرّين. إنها أول مرّة يشاهد فيها هكذا صناديق.
فتّش حشور عن قضيب طويل، وراح يُدخله ويُخرجه في الصندوق، المرّة تلوَ الأخرى.
وما إن طال الأمر حتى سمع طنيناً قرب أذنه، ثم شعر بشيء يؤلمه في رقبته وبعدها في وجهه وجبينه. ضرب بكفّه وضرب بكلتا يديه علّه يُبعد هذه الذبابات عنه، لكن اللّسعات كانت تتزايد، عندها استدار وأعطى العنان لساقيه، والنحل يتبعه ويلسعه.
شاهده والد رفيقه، فأسرع وأدخله غرفةً جانبيةً، ومسح له مكان اللّسعات بدواء احتفظ به لهذه الغاية.
وبعد انتهاء حفلة التمريض، أطلّ حشور على رفاقه إطلالة متغايرة، حتى أن أحداً لم يكن ليستطيع أن يعرفه لولا ثيابه.
وعاد الوالد ليسأل عن إبنه، لم يعرفه أولاً، لكنه صُعِقَ من منظره، فحمله وأسرع به إلى المستشفى حيث تمّت معالجته بالأدوية اللازمة، ثم طمأن الطبيب والده بزوال الورم تدريجياً، ونظر إلى حشور ليقول له: كلما أردت أن تكتسب شكلاً جديداً لوجهك، ومجاناً، فافعل هكذا.
حشّور (بطنو كبير)
رغم تنبيهات والدته، ورغم تحذيراتها، لم يكن حشور ليسمع الكلمة، ولا ليسلك كما يجب.
إنه يدور في غرفة الطعام، يبحث في البراد، يفتّش عن الأطايب، لا يخفاه شيء، يأكل حصّته وحصة غيره.
وذات يوم، حضَّرت الوالدة قالباً من الحلوى وأعطت إبنها حشوراً قطعة كبيرة وقالت له:
يا بني لا تأكل صحن أخيك فإنه سيفرح به متى عاد من المدرسة، ولا يجوز أن تبقى على حشريتك هذه وأنانيتك، لأنك سوف تصادف الكثير من المشاكل والمتاعب، وستخلق لك المزيد من الأعداء، فضلاً عن ذلك فإنك ستخسر محبّة أخيك، واحترام الآخرين.
فما كان منه إلا أن وعدها بأن يكون عند حسن ظنّها.
تأملت خيراً، لكن قلبها لم يكن مطمئناً بما فيه الكفاية. فعمدت إلى وضع بعض الفلفل الحرّ في قطعة الحلوى المتبقية، ووضعتها في البرّاد، ثم التفتت إلى ابنها قائلة: أنا ذاهبة إلى بيت الجيران ولن أتأخر كثيراً، فلا تتصرف عكس ما أوصيتك به.
أجابها: سمعاً وطاعةً.
ولم تمر لحظات على ذهابها، حتى سمعته يولول ويصرخ، فركضت مسرعة لتجده دامع العينين أحمر الوجنتين يقفز في مكانه بكلتا الرجلين، يفرك لسانه بكّم قميصه، يصرخ ثم ينفخ علّه يرتاح، ولكن دون جدوى. إلى أن أعطته أمه كأسَ ماء بارد ودهنت لسانه ببعض الزيت، فبدأ يهدأ قليلاً.
وبعد أن زال أثر الحرّ، بقي حشور صامتاً ولم يتفوّه بأي كلمة.
حشور والحلوى
كَبُرَ حشور وصار بإمكانه أن يبقى وحده في البيت.
ذات يوم تركه والداه ليسهرا في بيت الجيران القريب، قائلين له: نحن عند بيت الجيران، فاتّصل بنا إذا ما لزم الأمر.
أجاب الابن بنعم، مع الدعاء لهما بسهرة موفقة. وما إن أغلق والداه الباب وراءهما، حتى أسرع حشور إلى المطبخ، فتّش عن كتاب صُنعِ الحلوى التي تستعمله والدته، وفتح على طريقة تحضير (الكريما).
إنه مكتوب بيض حليب ماء سكر ناعم زبدة وملعقة شاي صغيرة من الفانيليا.
واتّبع صاحبنا التعليمات والمقادير بدقّة، وكأنه طبّاخ قديم.
لكن عُنصراً غريباً دخل على هذا النوع من الحلوى، غيّر في طعمها وشكلها.
فكانت الكريما الشهيّة التي صنعها حشور، تختلف عن مثيلاتها بأنها تحتوي على قطع الشاي الأسود، لأنه أضاف إليها ملعقة شاي صغيرة.
لم يأكل حشور من تلك الحلوى بل تركها على طاولة المطبخ، وذهب إلى النوم.
بعد عودة الأهل من سهرتهم، وجدت الأم شيئاً غريباً أمامها، إنها (الكريما)، ولكن لماذا تتخلّلها هذه القطع السوداء.
وفي الغد عندما سألته عن السبب، أجابها قائلاً: لقد عَمِلتها حسب الأصول، وأضفت إليها كما هو مكتوب، ملعقة شاي صغيرة.
إنفجرت الوالدة من الضّحك وعلِمت أنه على سرعته كان قد قرأ: ملعقة شاي صغيرة، ونسي أن يُكمل من (الفانيليا).
حشور والخاتم
دخل حشور غرفة نوم أخته في غيابها، وأخذ يفتّش بين الأغراض، غير مستقرٍ على أمر معيّن، فكان يتأمل ويدقِّق في كل ما تقع عينه عليه، إلى أن وصل إلى علبة صغيرة جميلة المنظر، فقال في نفسه: لا بدّ أن في داخلها شيئاً مهماً.
فتحها فوجد خاتماً ذهبياً صغيراً، هو تقدمة لها من والديها، في عيد ميلادها.
حمل الخاتم ثم أخذ يُجرّبه، فكان يُدخلُهُ في هذا الإصبع وهذا الإصبع، إلى أن استطاع إدخاله في إصبعه الخنصر.
أدخله بصعوبة، وأمعن النظر فيه، ففرح بمنظره، وتمنّى أن يكون له خاتمٌ مثله، على أن يكون أوسع من الذي لأخته.
وفيما هو يفكّر بالخواتم وأشكالها، والأصابع وتعدّد أحجامها، حتى شعر باحتباس الدّم في إصبعه، وأن عليه أن ينزع الخاتم في أسرع ما يكون.
لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة كما كان يظن، فراح يحاول ويحاول، أما إصبعه فكان يتورّم، والخاتم يزيده ضغطاً واحتقاناً، والألم لا يُطاق، فجنّ جنونه، وأسرع راكضاً نحو أمّه، وهو يصرخ بأعلى صوته.
نظرت الأم يد ابنها فعلمت أن في الأمر خطورة على إصبعه، وهي العارفة بالخواتم الضيّقة، وما تسبّبه من متاعب وآلام في نزعها.
اتّصلت الأم بزوجها لتُعلمه بما حدث، ونقلت ابنها إلى المستشفى مسرعةً، فلما شاهده الطبيب، أمر بقصّ الخاتم على الفور.
وبعد عملية دقيقة هدأ روع حشور، لأن الطبيب كان قد صارحه بامكانية قص الإصبع، في حال انحباس الدم عنه لفترة طويلة.
عاد الجميع إلى البيت ولما هدأت أعصاب الأب قال لابنه: أرجو أن يكون الدرس مفيداً لك. كي لا تتدخّل فيما بعد بأمور لا تعنيك.
حشور في محل الألعاب
حُكي عن رجل صاحب محلّ للألعاب، إنه كان يتميّز بروح الفكاهة والدعابة، يرغب في الضّحك والترويح عن النفس. في محلّه أنواع وأشكال مختلفة من الألعاب، منها الكهربائي ومنها الآلي، بعضها مُعقّد التركيب وبعضها الآخر سهل الاستعمال.
وكان صاحب المحلّ هذا، يراقب جميع الأولاد الوافدين مع ذويهم إلى دكّانه.
كما كان بامكانه أن يصنّفهم، ويعرف نفسيّة كل واحد منهم، من خلال تصرفاتهم وتعاملهم مع أهلهم. فأحصى منهم: الديناميكي والخجول، الهادئ والرصين، المهذّب والمشاغب، المتطلّب والقنوع، المطيع والعنيد، صاحب القرار والمتردّد.
لذلك تعمّد صاحب المحل أن يضع على إحدى طاولات الألعاب، وجهاً تنكرياً جميل المنظر مُلفتاً للانتباه، لكن هذا الوجه كان مطلياً من الداخل بالحبر الأسود، وتحديداً تحت الأنف. وبشكل، أن الذي يجرّبه سينطبع له حتماً، شاربان سوداوان يُثيران الضّحك.
ودخل أحد الأولاد الحشورين مع والديه ليشتري لعبة.
وأوّل ما فعله هذا الصبي، هو أنّه اتّجه نحو ذلك الوجه التنكّري، ووضعه على وجهه، وأخذ ينظر هنا وهناك مزهواً به وما إن نزعه، حتى أخذ جميع مَن في المحل ينظرون إليه ويضحكون، وهو حائرٌ في أمره لا يعرف السبب.
إلى أن جاءه صاحب المحلّ بمرآة صغيرة، وبعض مناديل الورق، ليزيل ما علق من الحبر عند شفتيه.
ثم قال له: أنظر، هذا ما عملته بنفسك، أيها الحشور.
(تعيش وتأكل غيرها)
من (ولدنات حشور)
مع بدء فصل الصيف اشترت الأم لولديها قبّعتين متشابهتين، وطلبت منهما أن يحافظا عليهما.
وكان للأم من الحكمة، أنها خاطت أول حرف من اسمهما، كل واحد على قبّعته.
ومضت عدة أيام والقبعتان ما تزالان على حالهما، إلى أن جاء وقت، مزّق فيه الابن الأكبر قبعته بعض الشيء. فحملها بهدوء ورماها في الخزانة دون أن يراه أحد.
وفي اليوم التالي علا الصُراخ، وقوي الجدال بين الاخوين، الأول يدّعي أن قبعته هي الجديدة والأصغر يؤكّد أن العكس هو الصحيح، إلى أن تمكّن الأكبر من انتزاع قبّعة أخيه والاحتفاظ بها.
حزن هذا الأخير، ومسح دموعاً انحدرت على خدّه، ثم نادى والدته، إذ ليس له من يحتكم إليه سواها.
حضرت الأم وطيّبت خاطر الصغير، ثم طلبت من كل واحد أن يفتّش عن أوّل حرف من إسمه داخل قبّعته. لأنها كانت قد خاطت هذه الأحرف مسبقاً لهذه الغاية.
اهتم الصغير بالأمر أما الأكبر فلم يشأ أن يفعل.
وبعد قليل سُمع صوت الصغير يقول: أما قلت لك إنها لي، إنها قبّعتي!
عندها اقتربت الأم من ابنها الكبير ولاطفته قائلة: لا أريد أبداً أن تتكرّر حادثة اليوم، ولا بأي شكل، هل هذا مفهوم؟
- نعم مفهوم.
- والآن قل لي، ما الذي سبّبته بفعلتك هذه لأخيك ولنا جميعاً؟ لكنه بقي صامتاً.
فأكملت الأم لتقول: عدّد معي:
- أولاً أهملت أغراضك.
- ثانياً اتّهمت أخاك وأحزنته، وربحت عداوته.
- ثالثاً كذبت علينا – وربما تتعوّد المراوغة والاحتيال.
- رابعاً كنت سبب إزعاج لنا جميعاً.
فلكي تكون مقبولاً، عليك أن تكون صادقاً في أقوالك، ومستقيماً في تصرّفاتك.
حشور يحب المرطّبات
- سأل الإبن أمه قائلاً: أمي لماذا كل هذه الأطعمة والفواكه؟ وخاصة قناني المرطّبات هذه (كولا –وببسي) ألا تسمحين لي بواحدة منها لأشربها؟
- إسمع يا بُني، غداً سيزورنا أحد الأصدقاء ومعه عائلته، وسيكونون في ضيافتنا النهار كلّه. وعند الغداء يمكنك أن تشرب ما تريد، لكن الآن، أطلب منك ألاّ تمد يدك على شيء، كي لا يحدث نقص في المائدة، وأنا لا أريد ذلك – هل فهمت قصدي؟
- نعم فهمت
وفي غمرة الانهماك والتحضير، كان هذا الابن جالساً في زاوية إحدى الغُرف، وفي يده واحدة من هذه القناني. كان يتأملها ويتفحّصها، وفي قرارة نفسه يتمنّى لو يشربها حتى آخر نقطة. ولكن تحذير والدته كان يمنعه من ذلك. لم تدُم حيرته طويلاً، إذ حضرت الفكرة التي تمكّنه من شرب ما يريد، وتبقى القنينة سالمة.
وبدأ يحرّك السدّة لتصبح رخوة، يحرّكها يُمنةً ويُسرةً وبشكل خفيف، كي لا ينفصل القسم العلوي عن السفلي، عندها أحضر كوباً، وهز القنينة عدّة مرات وقلبها وأدخلها فيه. فبدأ المرطّب ينساب ما بين القنينة والسِدادة، إلى أن امتلأ الكوب فشربه الصبي، ثم أعاد كل شيء إلى مكانه.
لفت انتباه الأم وجود قنينة ناقصة، فنادت إبنها للحال وسألته غاضبةً: أما قلت لك ألا تفتح قناني المرطبات!؟
- أجابها على الفور: لقد سمعتُ كلامكِ ولم أفتح أيّة قنينة، وما عليكِ سوى التأكّد من السِدادات.
- لا يهمّني السِدادات إنما يهمّني النقص في القنينة، فإن قلت لي كيف تمكّنت من فعل ذلك سوف أسامحك.
فأخبرها بما فعل ونظرت إليه وهي تهزّ رأسها، ثم مّضَتْ متمتمة وهي تقول: إنه عذر أقبح من ذنب.
عرض فريد
نظّمت إحدى الجمعيات النسائية، عرضاً فريداً من نوعه، ودعت إليه جميع الراغبات من الفتيات المتقدّمات في العمر، أي ما فوق الخامسة والثلاثين.
العرض مؤلف من ست غرف متتالية، وبشكل إنه على كل واحدة من المشتركات، دخول الغُرف بدأً من الأولى وحتى السادسة.
كما أنه يحق لمن ترغب أن تُنْهي العرض في الغرفة التي تريد، حيث ترى أن العرض يناسبها لتستفيد منه. وإلا فبامكانها متابعة الدخول إلى الغرف المتبقية، شرط ألا تعود إلى الغرف التي سبق ودخلت إليها.
الغرفة الأولى كُتب عليها، عرض بالزواج من الرجال الذين هم في الستين من العمر.
دخلت المشتركة الغرفة لكنها خرجت مسرعة غير راغبة بما شاهدته من رجال داخل هذه الغرفة.
الغرفة الثانية مكتوب عليها عرض بالزواج من الرجال الذين بلغوا الخامسة والخمسين.
فدخلت المشتركة لترى نوعية هؤلاء الرجال، إلا أنها تراجعت لعدم رضاها عما رأت داخلها.
وانتقلت إلى الغرفة الثالثة وقرأت، إن العرض بالزواج هو من الرجال الذين بعمر خمسين سنة.
فدخلت، لكنها أيضاً سرعان ما خرجت، لتنتقل منها إلى الغرفة الرابعة فوجدت أن عمر الرجال فيها لا يتجاوز الخامسة والأربعين ودخولها لم يدم طويلاً أيضاً هذه المرّة.
فأكملت المشتركة إلى الغرفة الخامسة، وفرحت لأن عمر الرجال فيها لا يتجاوز الأربعين سنة، توقّفت عندها قليلاً، وأطالت النظر في الرجال الموجودين، فبدا لها أن الأمر ممكنٌ وإنه بامكانها استحسان أحدهم. لكنها كانت مترددة وحائرة، فماذا لو أوقفت العرض، وما زالت الفرصة متاحة لها في الغرفة السادسة؟ ما عساها أن تخبيء هذه الغرفة يا ترى ربما تكون فرصة العمر. وازدحمت عليها الأفكار، ودفعتها حشريتها إلى معرفة سر الغرفة المتبقية. ولما وصلت إليها قرأت: العرض بالزواج هو للمراهقين الذين يريدون تأسيس علاقات للمستقبل.
وأبدت رئيسة الجمعية ملاحظتها، أن جميع المشتركات، قد وصلن إلى الغرفة ذاتها.
حشّور يتعلّم الحلاقة