|
الأمن... الإصلاح... السلام الركائز الثلاث لإستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
مجموعة الدراسة الرئاسية معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى
آذار 2005 |
ترجـــمة:
عصام أندورة
يوسف سرور
الفهرس
الجزء الأول: ركيزة الأمن
- العراق والمضي قدماً
- تحسين التكتيكات في الحرب على الإرهاب
- مواجهة انتشار السلاح النووي والتحدي الإيراني
- أمن الطاقة، والتخفيف من مخاطر سهولة الهجمات على مصادر الطاقة
الجزء الثاني: ركيزة الإصلاح
- الرد الإستراتيجي
- إقحام الإصلاح السياسي ضمن العلاقات الثنائية
- الرهان على "صراع الأفكار"
- دور القيم والمبادئ
الجزء الثالث: ركيزة السلام
- فرص جديدة في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية
- خيار دمشق
الجزء الرابع
- المواقف المؤيدة والمواقف المعارضة
الجزء الخامس
- مجموعة الدراسة الرئاسية
المقدمة
إن مجموعة الدراسة الرئاسية عبارة عن مجموعة متعددة الأحزاب تضم طائفة من رجال الدولة والدبلوماسيين والمشرّعين والأساتذة والخبراء الذين دعوا إلى اجتماع عام في أوائل عام 2004 من أجل شرح وضع الشرق الأوسط، ومدى تأثير السياسة الأميركية في تحسين مصالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة الإستراتيجية الهامة.
وكان هذا الاجتماع الخامس للجهود المبذولة برعاية معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، مستغلين بذلك فرصة الانتخابات الرئاسية من أجل إقحام أفكار جديدة في عملية "صنع السياسة".
إن مجموعة الدراسة الرئاسية السابقة أوجدت متطلبات هامة تتعلق بسياسة الولايات المتحدة تجاه عملية السلام العربي الإسرائيلي "بناء السلام عام 1988"، وتجاه العلاقات الإسرائيلية الأميركية "إثبات العلاقة التشاركية 1993"، وتجاه أجندة السياسة الأميركية الشاملة حول الشرق الأوسط "بناء الأمن والسلام في الشرق الأوسط 1997"، و"تجاوز الاضطرابات 2001".
ومنذ عام تقريباً قابلت مجموعة الدراسة عدداً من أصحاب السياسات في معهد واشنطن ودارت بينهم نقاشات ضخمة، سواء شخصية مباشرة أو عن طريق البريد الإلكتروني، تتعلق بعدد من القضايا الهامة التي تخص أجندة مجموعة الدراسة الرئاسية. بالإضافة إلى عشرة أعضاء من مجموعة الدراسة الذين سافروا إلى إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة ومصر في شهر حزيران 2004، من أجل التشاور مع القادة السياسيين وصناع السياسة والمحللين الذين يمثلون طيفاً سياسياً واسعاً لعدد من وجهات النظر، وخلال زيارتهم لإسرائيل، دعت المجموعة إلى اجتماع موسع لبحث حوار إستراتيجي مع النظراء الإسرائيليين من أصحاب الكفاءات والمستويات العالية في مجمع "كيبوتز معال هاماميشا" اليهودي خارج مدينة القدس، وبناءً على ذلك نقدم أسمى الشكر لكل من ساعدنا في هذه المنطقة وخاصة السفارة الأميركية والمستشارين فيها على مساعدتهم وتعاونهم ودعمهم في تسهيل إعداد هذه الدراسة الميدانية.
وهذا التقرير يعكس الإجماع الشامل لهذه الهيئة المتعددة الأحزاب التي أقرّها أعضاء مجموعة الدراسة الرئاسية.
إن كل عضو من أعضاء هذه المجموعة لم يصادق على كل حكم أو مطلب أقرت به الهيئة. ولكن الأعضاء في هذه المجموعة قد صادقوا على التقرير وفقاً لقدراتهم وإمكانياتهم الشخصية. وأن هذه المصادقة لا تعني بالضرورة موافقة كل أعضاء المجموعة المنتسبين لهذه الهيئة.
إن عدداً من المطالب يثير تحفظات عميقة بين أعضاء المجموعة، ووجهات النظر هذه تمثل شطراً من المعارضة وتعليقاته الهامة، أضف إلى ذلك أن بعض أعضاء المجموعة يرغبون بمنح زخم كبير لتعليقاتهم في هذا التقرير من خلال عرض المواقف الواضحة. إن المواقف المؤيدة والمواقف المعارضة سيتم ذكرها في نهاية هذا التقرير.
إن مجموعة الدراسة ترغب بالاعتراف بحجم المساعدة القيمة التي قدمها أعضاء الهيئة في معهد واشنطن من خلال تنظيم اجتماعات المجموعة، والتنقلات البعيدة وسهولة نشر التقارير الصادرة. وتخص بالشكر السيد بن فيشمان الذي أقرّ عمل مجموعة الدراسة وتحمل مسؤولية التنسيق بين وجهات النظر خلال اجتماعات أعضاء المجموعة، والذي اهتم بقضايا سفر الأعضاء ومعدِّي التقارير وأعد التقرير النهائي، وكذلك نوجه شكرنا إلى كل من مارغريت هيلويتش، نينا بيسغاير، اليسيا غانز.
إن عمل مجموعة الدراسة وسفرها إلى الشرق الأوسط قد تم من خلال الجهود الكبيرة التي بذلتها مؤسسة سوريف SOREF. ومع ذلك فإن معهد واشنطن لم يتدخل ولم يتحكم بالمناقشات التي أجرتها المجموعة الدراسية، إن هذا التقرير لم يصادق عليه معهد واشنطن أو مجلس الأمناء أو مجلس المستشارين ولا يمكن ترجمته على أنه يمثل وجهات نظرهم وآرائهم الخاصة بهم.
دينيس روس، روبرت ساتلوف
الملخص التنفيذي
تواجه الولايات المتحدة لحظة تحدٍ غير عادية في الشرق الأوسط تتطلب إستراتيجية أميركية شاملة ومتكاملة مبنية على مجموعة من ثلاث ركائز رئيسية وهي الأمن والإصلاح والسلام. إن جدول الأعمال الأمني هو الأكثر إلحاحاً، لكنه وحده ليس كافياً، وإذا كانت الولايات المتحدة لا تريد مكافحة التهديدات التي تواجهها في المنطقة فحسب، بل تريد أيضاً تغيير الديناميكية الإقليمية التي تؤدي إلى مثل هذه التهديدات، فينبغي على الإدارة الأميركية أن تتابع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في دول الشرق الأوسط وتعزيز السلام العربي الإسرائيلي الآمن.
الأمن
العراق: إن المصلحة القومية الحيوية لأميركا هي ترك العراق كبلد مستقر مع حكومة لا تشكل تهديداً إلى الدول الأخرى أو المصالح الأميركية الواسعة. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هو انبثاق عراق فدرالي موحد يمتلك حكومة نيابية جيدة ومعقولة وملتزمة بحكم القانون وحماية حقوق الأقليات الدينية والعرقية. إن الانتخابات الأخيرة في العراق والتشكيل المتوقع للحكومة العراقية الانتقالية هو خطوات مهمة ضمن هذا المجهود الذي يتطلب تضمين عملية وضع مسودة للدستور الشامل. ويجب على الولايات المتحدة أن تحتفظ بأعداد كبيرة من قواتها في العراق لتكون متأهبة لهذه العملية السياسية الضخمة. لكن النجاح الطويل الأجل للسياسة الأميركية سيعتمد على حجم وإمكانيات قوات الأمن العراقية الخاصة. لذلك فإن تجهيز وتدريب القوات العراقية سيبدو من أهم الأعمال بالنسبة للقوات الأميركية. ومع ذلك فإن نشر القوات الأميركية يجب أن يكون محدداً وفقاً للأهداف المرجوّة وليس بالتواريخ الاعتباطية التي تحكمها مفكرة الإدارة الأميركية، وطوال الوقت يجب أن تكون السياسة الأميركية وفقاً للحكومة العراقية المنتخبة الموضوعة تحت سلطة الدستور المقبول، ويجب أن تتم السيطرة على الأوضاع الأمنية في البلاد، حينئذ ستبدأ الولايات المتحدة في التخفيف من تواجدها العسكري. ويمكن لهذه الخطوات أن تبدأ مبكراً إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك، وينبغي على الإدارة الأميركية أن توضح بأن ليس لديها أي رغبة في إرساء قواعدها العسكرية الطويلة الأجل في العراق لا من خلال اتفاقية مبرمة مع الحكومة العراقية، ولا من خلال القوة المفروضة على الشعب العراقي.
الخطوات الأولى
أولويات بوش الأكثر إلحاحاً في الشرق الأوسط لعام 2005.
- الإسراع في تدريب ونشر قوات الأمن العراقية أثناء بناء هيكلية الحكومة العراقية النيابية الحرة.
- تنسيق الإستراتيجية حول برنامج إيران النووي مع السلطات الأساسية في أوروبا ومجلس الأمن.
- تطوير وتنفيذ إستراتيجية شاملة لشن حرب إيديولوجية ضد التطرف الإسلامي.
- دفع قادة دول الشرق الأوسط للمطالبة بالإصلاح السياسي.
- الاستفادة من التغيير في الأطر الأمنية والسياسية الفلسطينية، والسعي لدفع عملية فك الارتباط الإسرائيلي من قطاع غزة بشكل هادئ ومنتظم.
انتشار السلاح النووي الإيراني
إن الانتشار يشمل الأخطار التي يمكن أن تسببها الجماعات الإرهابية وكذلك الدول المعادية. وهو أخطر تهديد يواجهه الأمن القومي الأميركي. ومن بين دول الشرق الأوسط فإن إيران تشكل أكبر تحدٍ صعبٍ في الوقت الراهن، ليس لأنها تملك سلوكاً انطوائياً صعباً فقط، بل لأنها تدعم بشكل خاص الجماعات الإرهابية. ولكن الانتشار النووي الإيراني يمكن أن يكون نقطة تحول في الشرق الأوسط مع دول مثل السعودية، مصر، سورية، والجزائر والتي يمكن أن تستجيب للجهود الرامية لامتلاك القدرات النووية وتهديد نظام منع انتشار السلاح النووي. إن ردع إيران قبيل امتلاكها قدرات السلاح النووي يمكن أن يتم من خلال القنوات الدبلوماسية الممكنة، وهذا يعتبر من المصالح الحيوية للولايات المتحدة. وفي هذا الشأن، فإن أهم دور لواشنطن في منع إيران من تحقيق هذا الحلم هو التوصل إلى إجماع مع القادة الأوروبيين يصرّح بأن الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ إجراءات صارمة تجاه إيران سواء كانت سلبية أم إيجابية وأن هذه الإجراءات تعتمد بشكل كبير على مدى التقدم الذي ستحرزه المفاوضات الأوروبية مع طهران. بينما ينبغي أن ترفض واشنطن فكرة إقحام إيران في مفاوضات أحادية الجانب ومنفصلة عن المحادثات الأوروبية الإيرانية.
إن التعجيل في ردع إيران عن تطوير الأسلحة النووية قد يتطلب تحويل هذه المحادثات إلى محادثات متعددة الأطراف تشارك فيها الولايات المتحدة رسمياً خلال المناقشات الأوروبية الإيرانية. وإذا كان هناك إجماع فيما وراء الأطلسي، فإن هذه المشاركة الأميركية ستسهّل الطريقة المفروضة لتحقيق اتفاقية ممكنة وقادرة على منع إيران من الحصول على برامج تطوير قدرات السلاح النووي. ولتحقيق إجماع دولي حول إيران لا يجب أن يكون الإجماع على حساب دعم المعارضة المنشقة التي تطالب بحرية الإيرانيين، ولا على حساب اللجوء إلى الخيارات العسكرية اللازمة لمعالجة هذه المشكلة.
الإرهاب
وبعد تحقيق تقدم هام في الجانب التكتيكي للحرب العالمية على الإرهاب منذ أحداث 11أيلول، فإن هذا التقدم يمكن تعزيزه من خلال مطاردة النزعات الشرعية العامة للإرهاب وإدراج المجموعات الإرهابية مثل حماس وحزب الله في جدول الجهود الرامية لمكافحة الإرهاب العالمي، وتحسين الجهود لاستهداف الموارد المادية التي تتلقاها جماعة الدعوة التي تتبنى العمليات الإرهابية. وعلى الجانب الإستراتيجي يجب مواجهة التحدي الإيديولوجي للتطرف الإسلامي من خلال الجهود الطويلة الأجل من أجل إصلاح النظم والوصول إلى المسلمين المعارضين الراديكاليين في الخارج وتشكيل جبهة إسلامية معارضة لهذا التطرف الإسلامي.
الطاقة
وكجزء من مبادرة سياسة الطاقة العظمى، فإن الإدارة الأميركية بحاجة إلى دفع القادة لتطوير برنامج عملي من أجل تخفيف الصدمات التي تتلقاها الولايات المتحدة والناتجة عن مخاوف نقص موارد الطاقة في الشرق الأوسط.
الإصلاح
ولتعزيز البعد الإستراتيجي في الحرب العالمية على الإرهاب، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى تولي جهود مسار مزدوج للوصول إلى ملايين المسلمين في الخارج الذين يرفضون التطرف الإسلامي، وإلى تعزيز إستراتيجية إصلاح المجتمعات الشرق أوسطية القادرة على تهميش المتطرفين الإسلاميين وحرمانهم من الشكاوي التي اعتادوا عليها لتوسيع دعم قواعدهم المتطرفة. وهذا يتطلب جهوداً منظمة ومنسّقة للحد من تدفق المجندين الجدد إلى المجموعات المتطرفة. ويتطلب هذا النجاح إستراتيجية دولية خاصة للعمل مع الحلفاء الإقليمين سواء كانوا حكومات أو جماعات من أجل تعزيز مفهوم التغيير الأساسي والجذري من خلال عملية متزايدة ومتطورة ومصرّة على تحقيق النتائج المطلوبة. ووفقاً لمصطلحات السياسة ينبغي على الإدارة الأميركية أن تدمج الديمقراطية والتحرر والإصلاح السياسي كعناصر أساسية في العلاقات الأميركية الثنائية مع الدول الرئيسية وخاصة العلاقات الثنائية مع الزعماء البارزين. ومن الناحية البيروقراطية، فإن هذه الجهود تتطلب إعادة تصميم شاملة للكيفية التي تستطيع من خلالها الحكومة الأميركية الوصول إلى ملايين الأصوات في الخارج من أجل معرفة ومساندة وتنشئة الحلفاء الحاليين والمؤيدين المحتملين للسياسة الأميركية وبنفس الوقت الذين يعززون القيم الأميركية.
السـلام
وحول عملية السلام العربية الإسرائيلية، يجب على الإدارة الأميركية أن تستثمر فعالية عالية المستوى لكسب الفائدة من الفرصة المتاحة أمام الطرفين وذلك من خلال عاملين أساسيين. الأول: سياسة إسرائيل في فك الارتباط من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، وظهور قيادة فلسطينية جديدة مستعدة لرفض العنف كإجراء تكتيكي لتحقيق الاستقلال. والثاني هو هدف السياسة الأميركية الرامي إلى خلق دولتين بحيث تشعر إسرائيل بالأمن والسلام ويشعر الفلسطينيون بالرضا والوقار، وفرض العزلة على أولئك الذين يختارون الطرق الرافضة. ويمكن تحقيق أفضل الطرق من خلال التركيز على ثلاث مهام رئيسية: مساعدة إسرائيل إذا ما واجهت أخطاراً جوهرية أثناء عملية فك الارتباط، ومساعدة الفلسطينيين وهم يحاولون ملء الفراغ السياسي لمرحلة ما بعد عرفات ضمن مجموعة من المؤسسات الشرعية والنيابية، وتنظيم المساعي الطيبة للوسطاء الإقليميين والدوليين لمساعدة السلطة الفلسطينية في استبدال الاحتلال العسكري لغزة بالإدارة المثلى القادرة على تلبية المستلزمات عبر السلطة المنظمة والشفافة، والتي توفر مناخاً أفضل لتحقيق خارطة الطريق وتنفيذ بنودها، والاستئناف الفوري لمفاوضات الحل النهائي.
وتفيد الاقتراحات بأن على الإدارة الأميركية أن تعلن عن إستراتيجية جديدة وجريئة للسلام في الشرق الأوسط، علماً أن هذه السياسة قد تضعف الجهود الرامية لفك الارتباط الإسرائيلي والإصلاح الفلسطيني. أضف إلى ذلك أن الإدارة الأميركية بحاجة لأن تقحم نفسها في الحوارات الفعالة مع الدول العربية والأوروبية والأطراف الأخرى من أجل ضمان مشاركتهم الفعالة والكاملة في هذه العملية، وخاصة قضية "عدم اتخاذ الإرهاب صفة شرعية" واستثمار عملية الإصلاح الفلسطيني، وتحقيق مكاسب السلام لجميع الأطراف المعنيّة.
وهذه التوصيات تشكل جدول أعمال أميركي يمكن المباشرة به في الشرق الأوسط. وفي كل الحالات تحقق القيادة الأميركية نجاحاً أساسياً، لكن الإدارة الأميركية لا تستطيع وحدها تحقيق هذه الأهداف. ومع جزيل الشكر لكل الدول التي أبدت استعدادها للانضمام إلى هذا التحالف الرامي لمواجهة هذه التحديات، فإن فهم هذا التهديد والاستعداد لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذه التحديات يمكن أن يختلفا من دولة إلى أخرى.
ومن أجل النجاح في مواجهة هذه التحديات، فإن الرئيس بوش بحاجة إلى قيادة دبلوماسية تعزز التحالفات الحالية والعلاقات القائمة مع المؤسسات الدولية وتوسيع هذه العلاقات قدر المستطاع. وينبغي على الرئيس بوش أن يستمع لآراء الحلفاء ويتعاطف مع وجهات نظرهم، ويرحب بالفرص المتاحة لشرح وجهات النظر الصريحة إلى جميع الأطراف سواء كانوا حلفاء أو أصدقاء أو منافسين أو أعداء، لأن خلاف ذلك سيجبر أميركا على التصرف بشكل منفرد.
خلاصة إستراتيجية
تواجه الولايات المتحدة لحظة تحديات غير عادية. فنحن ما زلنا بحالة حرب وعلى جبهات متعددة داخلياً وخارجياً، ونخوض هذه المعارك في فترات غير محددة عندما تنحصر قوتنا العسكرية المسيطرة ليس فقط بأعداء وهميين، وإنما نواجه تعددية في ميادين القتال التي يجب أن نخوضها ونواجه فترة عالمية متزايدة لما بعد الحرب الباردة التي بنيناها بأنفسنا.
ونواجه تحدياً مركباً يتمخض عن حقيقة مفادها أن النصر في هذه المعارك لن يحقق الأمن المطلوب، ولن يخفف من الخطر الأعظم الذي نواجهه، وهو إمكانية حصول الإرهابيين على قدرات الأسلحة النووية.
وفي آخر تقرير صادر عن مجموعة الدراسة الرئاسية عام 2001 والذي وصف اضطراب أميركا وتورطها في الشرق الأوسط، حيث أن هذه المنطقة من العالم هي الموضوع الرئيسي لهذا التقرير، فإن هذا المجاز غير كافي لوصف التعقيدات والتنوعات والحاجة الماسة لترتيب هذه التحديات التي ستواجهنا في عام 2005. إن هذه التحديات وردود الفعل التكتيكية والإستراتيجية يجب أن تنصب جميعها في ثلاثة فصول عالمية بحيث تشكل الأعمدة الملائمة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: تعزيز الأمن ودعم الإصلاح وتحقيق السلام.
الركيزة الأولى: الأمن
إن أولى الأعمال الهامة للرئيس بوش في الشرق الأوسط هو العراق. لأن الولايات المتحدة منهمكة في أهم المشاريع الطموحة والصعبة التي تهدف إلى بناء الدولة العراقية من جديد. واليوم فإن المهمة الرئيسية التي تواجه الولايات المتحدة هي مهمة سياسية وعسكرية تتمثل في دعم تطوير الحكومة العرقية التي تملك شرعية كافية لحشد دعم العراقيين من كل الطوائف والمجموعات العرقية والدينية، والهدف من ذلك إضعاف الجهود الرامية إلى تقويض النظام وزعزعته. وكذلك تقديم الدعم اللازم لقمع المتمردين الذين يستغلون العنف ويستخدمونه للتهديد والقتل الذي يخدم أهداف ومشاريع أولئك الذين يسعون إلى تقويض النظام. وهذا يتطلب خلق حكومة انتقالية تنبثق عن انتخابات وطنية شاملة تمثل كل الدوائر الانتخابية العراقية، وتمتلك عناصر أساسية ذات قدرات تدريبية عالية، وذات قيادة جيدة، ولديها قوات أمن عراقية مجهزة جيداً ومستعدة وراغبة بنفس الوقت في الدفاع عن النظام الجديد ضد الأعداء في الداخل وضد التهديدات الخارجية. ويجب على الولايات المتحدة أن تكثف جهودها السابقة وتدفع بالجهود الحالية إلى الأمام، وإلى أن يتم تحقيق ذلك، فإن على واشنطن وحلفائها في العراق تحمل المسؤولية الأساسية الأولى لمحاربة التمرد الذي بدأ يزداد وينمو بشكل مكثف ومعقد.
ومهما كان حجم النقد الذي ستواجهه الولايات المتحدة في العراق. فإن المصلحة القومية الحيوية لأميركا هي مغادرة العراق عندما يكون بوضع أكثر استقراراً ويتمتع بحكومة مستقلة لا تشكل تهديداً للدول الأخرى أو لمصالح الولايات المتحدة. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هو دعم انبثاق دولة عراقية فدرالية موحدة ذات حكومة نيابية تلتزم بدور القانون وتحمي حقوق الأقليات العرقية المتواجدة على أراضيها. وبالمساعدة الفعالة من حلف الناتو والدول الصديقة والمؤسسات الدولية. يجب على هذه الحكومة أن تمتلك قوة أمنية قادرة على حماية البلاد، وقمع التدخلات الأجنبية وصد أي عدوان محتمل على أراضيها. وإن هذه القوة الأمنية لن تشكل أي تهديد للشعب العراقي أو لجيرانه من الدول المجاورة. وللوصول إلى هذه النتائج، ينبغي على الإدارة الأميركية أن تصرّح علانية بأنها لا تطمع بنفط العراق أو السيادة عليه أو المحافظة على قواعدها العسكرية هناك لأمد بعيد. ومما لاشك فيه أن الولايات المتحدة لا ترغب بفرض سيطرتها على طريقة عمل الحكومة العراقية فيما يخص ممارسة الطقوس والشعائر الدينية. إن خطورة الوضع في العراق سوف تشغل أوقات الرئيس بوش وتسترعي اهتماماته، وأن الحرب في العراق قد حلت محل الحرب العالمية على الإرهاب.
وكما أوضحت لجنة 11 أيلول بأن العدو الذي ظهر في صبيحة أحداث 11 أيلول لم يكن الإرهاب بحد ذاته ولكن إيديولوجية التطرف الإسلامي لدفع أجندة أعماله الإجرامية. ولأن الإرهاب لم يستخدم القوة بمعناها التقليدي، فإن هذا الأمر يبقى من أصعب وأخطر الأعداء الذين واجهتهم الولايات المتحدة على الإطلاق، ومع ذلك فإن الولايات المتحدة نجحت في مواجهة مثل هذه التغيرات الجذرية سواء داخل البلاد أو خارجها. إن الميدان التنافسي المركزي لهذا الجدل في الشرق الأوسط وفي دول أخرى يتمثل بالغالبية المسلمة التي تقطن هذه الدول. إن التطرف الإسلامي يشكل عدواً خطيراً يجب محاربته على جميع المستويات "العسكرية والاستخباراتية والسياسة والدبلوماسية والتجارية والعقائدية والفكرية والثقافية، وبوجود إرادة سياسية موحدة". ويجب تفعيل هذه المستويات بآن واحد.
ولكن المسرح الرئيسي للصراع يتواجد بين المسلمين أنفسهم، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تبدو غير مبالية وتقف موقف المتفرج الذي يراقب مصير مصالحنا الإستراتيجية وقيمنا ومبادئنا وحلفائنا يتأرجح في الهواء. إن صدى هجمات 11 أيلول 2001 ما زال يملك تأثيراً فعالاً مدوّياً يعم الشعور النفسي الوطني في أميركا. ويتغلغل في الأوساط السياسية ومؤسسات الأمن القومي. ووفقاً للمصطلحات العملياتية فهذا يعني ارتقاء "الحرب على الإرهاب والأمن القومي" إلى مصاف القضايا الأولى الهامة ضمن أجندة الأمن القومي. ومع مرور الوقت فإن ذكرى أحداث 11 أيلول لن تحتفظ بنفس الصفة المنفردة والحاجة الماسة بالنسبة للآخرين كما هي الحال بالنسبة للشعب الأميركي. وبالنسبة لواشنطن فإن إدارة هذه الفجوة المتنامية في المفهوم المطلق واختلاف أولويات السياسة والسياسات الأخرى المنبثقة عنها سوف يشكل اهتماماً رئيسياً متزايداً. وفي هذه الظروف فإن الحل الأساسي في السياسة الأميركية هو الضغط على كل الدول والمؤسسات الدولية من أجل عدم إضفاء صفة الشرعية على الإرهاب الدولي بجميع أشكاله، وعدم السماح للإرهابيين باستخدام قدسية المقاومة الوطنية واستغلال أي عذر لاستخدام العنف ضد المدنيين لأغراض وأهداف سياسية. وإذا كانت فلسفة المتطرفين لا تشكل تهديداً مطلقاً للأميركيين وللمصالح الأميركية، فإن إمكانية وصول أسلحة الدمار الشامل وانتشارها في دول أو جماعات تتخذ جدول أعمال إسلامي متطرف، يعتبر أمراً خطيراً ويشكل مأساة محتملة لدول العالم قاطبةً.
ويعتبر هذا الأمر من أخطر القضايا التي تحاول من خلالها المجموعات الإرهابية الحصول على السلاح النووي. إن الإرهابيين لا يحاولون امتلاك هذه الأسلحة من أجل الحماية أو الدفاع عن النفس، بل إنهم يحاولون امتلاكها من أجل استخدامها إما لشن الهجمات الانتحارية أو من أجل الابتزاز. ولكن منع حدوث ذلك يجب أن يحظى بأولويات الأمن القومي. إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تقود حكومتها حملات عشواء وتدعم المجموعات الإرهابية المعادية للغرب وبصفتها الراعي الرسمي للمعارضين الذين يرفضون الحل السلمي للصراع العربي الإسرائيلي، فإن امتلاك هذه الدولة لقدرات السلاح النووي هو أمر في غاية الخطورة ومبعث قلق دائم لكل دول العالم. وهذا ليس بسبب أن إيران تشكل دولة لا يمكن ردعها، ولكن بسبب التأثير السلبي الفعال بفعل أن امتلاك إيران لقدرات السلاح النووي سوف يكون عامل قوى توازنياً ضمن المنطقة بشكل عام. وهذا يشكل سابقة خطيرة تهدد سباق التسلح النووي بشكل خطير وغير محدد.
إن معالجة هذه المشكلة الخطيرة والحرجة يتطلب سياسة أميركية قوية تشكل إجماعاً دولياً شاملاً للضغط على إيران، ويمكن أن يشمل تدخلاً أميركياً حذراً كعنصر مشارك فعال في المفاوضات الأوروبية الإيرانية الخاصة باتفاقية التسلح النووي. ويجب على الولايات المتحدة أن تؤكد على إمكانية الخيارات العسكرية التي ستتكبدها إيران إذا ما استمرت في طموحاتها للحصول على السلاح النووي والسعي لامتلاك قدرات السلاح النووي. ويمكن للطرق الدبلوماسية أن تكون فعالة طالما أن مصالح الولايات المتحدة تتحقق بالحل الدبلوماسي السلمي.
أضف إلى ذلك أنه يوجد ميدان تنافسي ناقد للولايات المتحدة ولمصالحها في الشرق الأوسط، وهو أننا ملزمين بتأييد الدعوات التي تطالب بوجود قادة دول حقيقيين. إن الوضع الحالي لاعتماد أميركا على مصادر الطاقة الخارجية يشكل تحدياً خطيراً وبمعايير مختلفة لا يمكن مواجهتها بسهولة. ومع أن الوضع في الشرق الأوسط يتسم بالقلق، فإن رؤية عملية جريئة لإصلاح السياسة الأميركية الخاصة بالطاقة يمكن أن تقود إلى تخفيف حدة الموقف الأميركي تجاه مخاوف نقص إمدادات الطاقة. وبنفس الوقت سوف يعزز حريتنا في تبني سياساتنا السابقة في هذه المنطقة.
إن هذه التحديات التي تشمل الحرب في العراق، والمعركة ضد الإرهاب، والتطرف الإسلامي، والحملة ضد انتشار الأسلحة النووية، والحاجة الماسة إلى تخفيف صدمة الولايات المتحدة من مخاوف نقص إمدادات الطاقة... كل ذلك يتربع على عرش التحديات الأمنية الأربعة التي تواجه الرئيس بوش في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن كل واحدة منها لها خاصيتها الواضحة، إلا أن هناك روابط بنيوية فيما بينها، مثل بذل الجهود لتقليل النفوذ الإيراني في العراق، وبذل الجهود لمنع انتشار السلاح النووي الإيراني، والحاجة الماسة لمكافحة الدعم الإيراني للإرهاب المعادي للسلام والذي بدوره يعرقل مهمتنا الرئيسية ويتطلب جهوداً متضافرة ضخمة. وفي كل حالة من تلك الحالات، تحتاج الزعامة الرئاسية إلى النجاح المطلوب، لكن أميركا لا تستطيع وحدها تحقيق ذلك. ونكرر خالص شكرنا للدول العديدة التي قررت الانضمام إلى هذا التحالف لمواجهة هذه التحديات، وعلى كل حال، فإن إدراك حقيقة هذا التهديد والرغبة في اتخاذ مواقف وأعمال ضد هذه التحديات يمكن أن يختلف من دولة إلى أخرى. ومن أجل النجاح في تخطي هذه العقبات والتغلب عليها، يتوجب على الرئيس بوش أن يتولى دبلوماسية قادرة على تقوية دور الحلفاء ودعم المؤسسات الدولية، وتوسيع حلقة هذا التحالف قدر المستطاع، والإصغاء لوجهات نظر الحلفاء والتعاطف مع آرائهم، والترحيب بكل الفرص المتاحة لكل الحلفاء والأصدقاء والمنافسين والأعداء، وشرح موقف أميركا العقلاني إذا قررت التصرف بشكل منفرد.
الإصلاح والسلام
إن هذه الأجندة الأمنية المتضمنة "العراق، والإرهاب، ومنع انتشار الأسلحة النووية، والطاقة" تشكل كلها ركيزة واحدة لسياسة أميركا في الشرق الأوسط. وهي تشمل مجموعة أولويات ضرورية تتعلق بتورط الولايات المتحدة في هذه المنطقة على الرغم من أن هذه السياسة غير كافية. وإذا أرادت الولايات المتحدة ليس فقط مكافحة هذه التهديدات في هذه المنطقة بل أيضاً تحدي الديناميكية الإقليمية التي تفرز مثل هذه التهديدات، عندئذ يتوجب على الإدارة الأميركية أن تتابع ركيزتين أساسيتين لسياسة الولايات المتحدة وهما أولاً: متابعة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الشرق الأوسط؛ وثانياً: تعزيز الأمن المتعلق بعملية السلام العربي الإسرائيلي.
الركيزة الثانية: الإصلاح
إن موضوع ركيزة الإصلاح يتمثل في دعم وتشجيع التطوير الإيجابي لمجتمعات الشرق الأوسط بغية تهميش دور المتطرفين الإسلاميين وحرمانهم من الشكاوي التي يطالبون بها من أجل توسيع قاعدة الدعم المطلوب لهم. ومن أجل إحراز تقدم في هذا المجال يجب تعزيز عمليات الإصلاح بحيث تتركز طاقات وإمكانيات الحكومات على بناء مستقبل أكثر أمناً وإنتاجاً وأكثر رضاً وشمولاً يعم كافة المواطنين، وبحيث تستطيع شعوب المنطقة أن تحظى بفرص عديدة تستطيع من خلالها استغلال مواهبها وطاقاتها الطبيعية، وأن تشارك بشكل فعال وحر وآمن في إدارة حكم هذه البلاد في منطقة الشرق الأوسط. إن الولاية الثانية للرئيس بوش تعرض فرصاً متاحة لشرح الخطابات البلاغية المتعلقة بالإصلاح وربما افتتاحيات خطابية بلاغية تتعلق بدفع عجلة الحرية بما يناسب هذه التحديات القائمة. ويجب التركيز على بناء علاقات شراكة حقيقية مع طائفة الإصلاحيين سواء داخل أو خارج الحكومات، واستخدام طيف واسع من الإمكانيات البشرية والسياسية والدبلوماسية والتقنية والاقتصادية والتجارية المتوفرة لدى الإدارة الأميركية.
وهذا يتطلب إستراتيجية دولية محددة للعمل مع الحلفاء الإقليميين الحاليين من أجل تعزيز مفهوم التغيير الجذري من خلال عملية تقدمية ثورية متنامية. وكما أن العناصر المحددة لهذه الإستراتيجية هي أمر هام جداً، فإن موقف قادة دول الشرق الأوسط هو أمر هام أيضاً، وكذلك الحاجة الماسة لتجسيد الرغبة في التحدث بصراحة عن ضرورة الإصلاح، والحاجة الملحة لمناقشة هذه الإصلاحات مع الزعماء الأجانب، تارة بشكل خاص وطوراً بشكل عام، ولا بد من دمج علاقاتنا الثنائية المتبادلة في جدول مصالح الدول المعنية مع الشعور بمسؤولية المهمة التي تنبثق من خلالها هذه الصراحة المطلقة. ومن الناحية العملية يجب بذل الجهود اللازمة لتشجيع وتفويض ودعم الحلفاء الإقليميين لمواجهة انتشار التطرف الجذري وتعزيز سبل الإصلاح الإيجابي ضمن المجتمعات الإسلامية، وهذا يتطلب إعادة هندسية شاملة لسياسة الولايات المتحدة في الوصول إلى تأييد الدول الأجنبية الأخرى. وهذا يشمل مستقبلاً مركزياً وبناء علاقات شراكة جديدة مع المنظمات غير الحكومية ومع القطاعات الخاصة التي تعزز المصالح والسياسات الأميركية بين تلك الدول الأجنبية. وكما أن الرد الأميركي كان مهماً جداً بالنسبة للمأساة الإنسانية التي سببها إعصار تسونامي الذي تطلّب اهتمامات مباشرة واستثمارات جيدة خلال عمليات الإغاثة الطارئة، فإن المهمة الأميركية تستوجب خلق إستراتيجية تنفيذية محددة ومتماسكة لبناء جيل جديد من الحلفاء الذين يحاربون التطرف ضمن المجتمعات الإسلامية. إن المصطلح المعروف الدبلوماسية العامة لا يعكس بالضرورة مدى الحملة الإيديولوجية التي يجب شنها ضد هذا التطرف، ولا يعكس أهمية إيجاد أرضية عامة مشتركة مع الحلفاء الحاليين والمستقبليين في المجتمعات الإسلامية، مع أن هذه المجتمعات تمتاز باختلافات ظاهرة سواء من حيث الثقافة والدين والهوية.
الركيزة الثالثة: السلام
إن أهمية موضوع ركيزة السلام تتجلى في العمل تجاه إيجاد حل لمشكلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث أصبح هذا النزاع أكثر مركزية ضمن المصطلحات الأمنية، وأصبح نبضه السياسي يزداد دوياً في هذه المنطقة وما جاورها من الأقاليم المحيطة به. والهدف من ذلك هو التقدم في إيجاد حل لدولتين متجاورتين آمنتين بحيث يوفر الأمن والسلام لإسرائيل كما يوفر الرضا والوقار للفلسطينيين، وبنفس الوقت يعزل أولئك الذين يختارون الحلول الرفضية التي تتسم بالعنف والإرهاب. إن حرب السنوات الأربع التي دامت بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي خلفت وراءها أكثر من 4000 قتيل وعشرات الآلاف من المصابين والجرحى قد وصلت الآن إلى لحظة حرجة. وشهدت المنطقة مرحلتين متطورتين، أولهما: انتقال السلطة من ياسر عرفات إلى القيادة الفلسطينية الجديدة؛ وثانيهما: خطة إسرائيل لفك الارتباط من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. وكل ذلك قد زاد من احتمالية إنهاء الحرب واللجوء إلى إعادة إحياء المفاوضات حول الحل النهائي بين الجانبين. وهذا بدوره سيقود إلى إدراك أهمية المفاوضات الرامية لإيجاد دولتين متجاورتين آمنتين. إن القمة الفلسطينية الإسرائيلية السابقة في شرم الشيخ والتصريحات الصادرة بخصوص وقف إطلاق النار لهي مثال حقيقي واضح وعهد جديد للإمكانيات الحالية المتوفرة للطرفين. إن الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية للفرص المتاحة يتطلب دوراً رئاسياً أميركياً من أجل دفع العمليات المفعمة بالأمل، ومن أجل إحباط المحاولات والأفكار البديلة الرامية لتقويض فرص نجاح هذه العملية السلمية. وفي الأشهر الأولى للإدارة الجديدة، يحتاج الرئيس بوش للتركيز على ثلاث مهمات رئيسية:
1- مساعدة إسرائيل أثناء قيامها بعملية فك الارتباط.
2- مساعدة الفلسطينيين على ملء الفراغ السياسي لمرحلة ما بعد عرفات عبر إيجاد حكومة انتخابية، تشريعية، ومؤسسات مسؤولة تدعمها سلسلة من الانتخابات المحلية.
3- تفعيل دور الوسطاء الإقليميين والدوليين لمساعدة السلطة الفلسطينية لتحل محل قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، مع ضرورة إيجاد إدارة محلية تمتاز بالشفافية والمسؤولية والأمان، وتنصيب حاكم قدير يوفر جسراً آمناً لتنفيذ خارطة الطريق. وضرورة استئناف مفاوضات رفيعة المستوى حول الحل النهائي. وبما أن الولايات المتحدة تواجه تحديات مختلفة وعلى جبهات متعددة الأطراف، فإن مزج القيادة الفلسطينية الجديدة مع مبادرة إسرائيل لفك الارتباط سوف يطرح طريقة جديدة لهذه الفرصة، ليس فقط من أجل تحسين حصص الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن أيضاً من أجل إبراز استمرارية الالتزام الأميركي بإيجاد القرار والحل الآمن لهذا الصراع بالنسبة لدول العالم الإسلامي. والأخذ بجملة هذه المهام سوف يؤدي إلى إستراتيجية أميركية موحدة في الشرق الأوسط ومبنية على ركائز ثلاثة هي: الأمن والإصلاح والسلام. وفي الوقت الحالي فإن الجهود المبذولة في أحد الميادين أو غيرها سوف تجذب العناوين الرئيسية والعلاقات المعقدة مع الأصدقاء، وهذا يتطلب وقتاً أطول ويتطلب اهتمامات وأولويات ومصادر هامة يجب توقعها من كل الأطراف المعنية.
وفي واقع الأمر سيتم اختبار الإدارة الأميركية في كل جبهة من هذه الجبهات سواء كانت قادرة على تخطي هذه العقبات أو اللجوء إلى طرق لا يمكن التنبؤ بها. بل إن هذه الركائز الثلاث تستوجب الاستثمار في الجهد الرئاسي المركزي وإدراك أهمية تفعيل دور الإدارة الأميركية في استغلال كل الفرص والمصادر التي تملكها الولايات المتحدة بما في ذلك "الوطنية، والإبداع، والإصرار، والقوة، والرحمة" وكل ذلك سوف يحدد ليس فقط النجاح أو الإخفاق خارج الوطن، بل إنه سيحدد مصير الحياة أو الموت داخل الوطن. إن تقرير مجموعة الدراسة الرئاسية يعالج كل مشكلة من هذه التحديات السابقة التي تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتعرض بعض التوصيات التي قدمناها والتي تستطيع الإدارة الأميركية أن تتبناها في الشرق الأوسط. ونركز في هذه المجموعة على الأولويات أكثر مما نركز على المدى الكلي للمصالح الأميركية في هذه المنطقة، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو تجارية. وهذا بدوره يساعد في تركيز اهتمام الإدارة الأميركية على غالبية القضايا الهامة التي تحتاج إلى جهود مكثفة عالية المستوى. ومع أن اقتراحاتنا تستلزم خطط طويلة الأمد، فإن قوة الدفع الأساسية لاهتماماتنا ومقترحاتنا تصب في المطالب والحاجات الأساسية التي يجب فعلها خلال الأشهر الستة الأولى للإدارة الأميركية الجديدة، وخاصةً عندما تصدر القرارات والتعيينات الشخصية الخاصة بالسياسة الأميركية الخارجية. لقد حان الوقت لكي تستغل الإدارة الأميركية الجديدة هذه الفرص المتاحة أمامها ولكي تضع بصمتها المميزة على هذه السياسة. وعندئذ تملك التحليلات المنطقية والأفكار الخلاقة فرصة عظيمة لتظهر نفسها ضمن مفاهيم جديدة ولقضايا ساخنة تحظى باهتمام دولي واسع النطاق.
العراق: مقدّمة الطريق
أصبحت العراق ألف ياء التورط الأميركي في الشرق الأوسط، والمحك الذي من خلاله يتم قياس مدى التزام الولايات المتحدة والحلول التي تقدمها وحس المسؤولية لديها. ولمجرد أن يموت الأميركيون يومياً في العراق فإنها أصبحت المشكلة الأكثر إلحاحاً وتعقيداً التي تواجه الإدارة الجديدة.
تمثل العراق الحالة الأولى التي تقوم فيها الولايات المتحدة بإرسال قواتها إلى دولة عربية من أجل الإطاحة بقائدها ونزع أسلحة الدمار الشامل لديها وتغيير نظامها وخلق بديلاً عنه حكماً جديداً يستند على حكومة ممثلة شعبياً تطبق القانون. لقد تم إبعاد صدام حسين عن السلطة بسرعة، في حين ثبت أن مشكلة أسلحة الدمار الشامل أقل إلحاحاً مما كان متوقعاً منذ البداية. وفي المقام الأول، كانت الإستراتيجية الأميركية لمرحلة ما بعد الحرب هي الوصول إلى مرحلة استقرار ومرحلة انتقالية يُصار بعدها إلى تشكيل حكومة جديدة. في حين أن واشنطن قامت بتلبية المرحلة الزمنية بما يتعلق بانتقال السيادة إلى حكومة عراقية مؤقتة، فقد تعاملت مع رجال المذهب الشيعي المؤثرين وحالات التمرد المتزايدة من خلال الانتقال إلى فترة انتقالية بدون تحقيق الاستقرار أولاً. إن الخطة الحالية هي دعم تشكيل وتفعيل حكومة جديدة انتقالية تعكس تركيبتها نتائج الانتخابات الأخيرة، وتكون مهمتها الرئيسية وضع مسودة أولية لدستور جديد لعراق جديد. آملين بأن القوة الشرعية للانتخابات سوف توفر الشرعية للحكومة الجديدة وتقلل من أي دعم شعبي، مهما كان، يتمتع به المتمردون وخلق محور إستراتيجي لمرحلة ما بعد الحرب. إن للولايات المتحدة مصلحة في دعم عملية إيجاد حكومة عراقية تتمتع بالقدر الممكن من الشرعية. إن إجراء الانتخابات في موعدها الحقيقي، على الرغم من المحاولات الجدية من أجل إخراج تلك الانتخابات عن مسارها من خلال العمليات الإرهابية والعنف، هي إحدى النقاط الأساسية للوصول إلى تلك النتيجة. بما أن الانتخابات قد تمت الآن، فإنها ستحقق الانتقال من حالة الحكومة العراقية المؤقتة الحالية إلى الحكومة العراقية الانتقالية، والتي ستستمر في جعل التحالف الأميركي والحلفاء وقوى الأمن العراقية تواجه تحديات صعبة، وستكون عملية نشر القوات الأميركية ضرورية بالمستوى الحالي وحتى بمستوى أكبر خلال العملية برمتها، من أجل محاربة المتمردين وحماية عملية الانتقال إلى حكومة جديدة.
إن الانتخابات العراقية وتشكيل الحكومة العراقية الانتقالية هي خطوات هامة ضمن عملية مستمرة تهدف إلى إيجاد حكومة شرعية. ولكن يجب عدم اعتبار هاتين الخطوتين على أنهما النهاية لهذه العملية. ويجب أن يكون من مصلحة الولايات المتحدة تشجيع الحكومة العراقية الانتقالية على أن تقوم بمفردها فقط، قدر الإمكان، بوضع مسودة الدستور، وحثها على الاعتماد على الغالبيات الواسعة في مجلس النواب الجديد، وبأن تؤكد لكافة الجماعات في العراق بأن مشاكلهم سوف تُعالج. ومن الضروري، على وجه التحديد، أن لا تقوم الجهات التي تضع مسودة الدستور بمعاقبة السنة من خلال منحهم مشاركة ضعيفة بالانتخابات، بل بدلاً من ذلك، على الولايات المتحدة أن تضع في ذهن واضعي مسودة الدستور أهمية مبدأ اللامركزية والسلطة المحلية وعمليات التحقق والتوازن العادلة والمتساوية في الإجراءات التشريعية النهائية.
ويجب على الإدارة الأميركية أن تدرك أيضاً استمرار التمرد بعد الانتخابات. وقد تقوم حتى بالتشديد، على أن هؤلاء المتمردين قد قرروا منع الحكومة العراقية الديمقراطية من بذل أفضل الجهود، وذلك من أجل تقويض الحكومة الانتقالية العراقية وإفساد عملية وضع مسودة الدستور الجديد. وفي حقيقة الأمر، فمن المرجح أن هنالك بعض العناصر داخل العراق ستبقى متضاربة على نحو كبير. وسيتم الإضرار بالمصالح الأميركية بشكل كبير إذا كان الوضع الأمني داخل العراق شديد التدهور. والأسوأ أن ذلك قد يشهد بداية لانتشار العنف، وبأن تصبح أجزاء واسعة من العراق ملاذاً للإرهابيين. إن المشكلة الحقيقية التي تواجه الولايات المتحدة في هذا الوضع هي أن حملات مواجهة المتمردين، حتى عند نجاحها ، تتطلب، تاريخياً، سنوات عديدة لإعطاء نتائج إيجابية. وبما أن جعل العراق مستقراً يُعد أولوية وطنية عليا، فإن الولايات المتحدة قد تواجه صراعاً مطولاً وأعمالاً دموية مستمرة.
ومن أجل مضاعفة احتمالية السيناريو الأكثر إيجابية، فعلى الإدارة أخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:
إن الدور الرئيسي للولايات المتحدة في العراق هو المساعدة في تهيئة البيئة، بحيث تستطيع الحكومة العراقية النجاح في خضم جهودها الرامية إلى ترتيب نفسها وممارسة السلطة وممارسة الحُكم بصورة شرعية ومسؤولة. ووفقاً لذلك، فإن على الولايات المتحدة أن تحاول الاستمرار بدورها الداعم قدر الإمكان والقيام بالاستشارات والتنسيق بخصوص النشاطات العسكرية الهجومية مع الحكومة العراقية.
ولأن قوات الأمن العراقية لن تكون جاهزة بأعداد وقدرات مناسبة، سيكون على الولايات المتحدة الاحتفاظ بعدد كبير من قواتها خلال الفترة التي ستصبح أثناءها الحكومة الانتقالية العراقية ممسكة بزمام السلطة.
وفي حين أن الإدارة الأميركية بحاجة إلى تركيز الطاقات للحفاظ على للتحالف الدولي الفعال في العراق، فإن النجاح الطويل الأمد لهذه الجهود سوف يعتمد على قدرة قوى الأمن العراقية على فرض وتطبيق القانون والمحافظة عليه في المناطق "المُحررة" من المتمردين. ولهذا السبب، فإن عملية تجهيز وتدريب قوى الأمن العراقية يجب أن يُنظر إليها على أنها المهمة الأولى للولايات المتحدة وللاستشاريين العسكريين المتحالفين. وبهذا الخصوص، يجب أن تُعطى الأولوية القصوى إلى ملء النواقص من الأفراد في القيادة الانتقالية الأمنية المتعددة الجنسيات، مُظهرين للعيان المشاركة الأكبر الممكنة لدول حلف شمال الأطلسي والدول الصديقة في عملية دعم قوى الأمن العراقية، وتنفيذ العقود الخاصة بتدريب وتجهيز قوى الأمن العراقية بأسرع وقت.
على الرغم من أن واشنطن تمتلك بشكل شرعي المسؤولية القيادية في العراق، فإن هنالك الكثير مما يستطيع المتواجدون الآخرون القيام به من أجل دعم إيجاد عراق جديد. وفي هذا السياق، يجب على الإدارة مضاعفة الجهود مع الدول الرئيسية، ومع اللاعبين الإقليمين المؤثرين، ومع الأمم المتحدة ومؤسسات دولية هامة أخرى. وفي هذه العملية، يجب على الإدارة أن لا تخفي ما يتعلق برغبة العديد من الدول والأطراف الفاعلة بإرسال فريق عمل إلى العراق، مبرهناً عن ذلك من خلال كيفية رغبة دول قليلة بما يتعلق بدعوة مجلس الأمن بالإجماع من أجل دعم عملية خلق قوة حماية دولية يتزعمها مجلس الأمن في العراق. وعلى الرغم من مشاعر الترحيب التي شجعت على بعض الدعوات لنشر قوى أمن إسلامية أو عربية في العراق، فإن على واشنطن معارضة أي جهود من شأنها أن تعقّد المعادلة العراقية الدينية والعرقية الحرجة أصلاً، بما في ذلك أن نرسل إلى العراق قوات وفرق عمل من أي دولة مجاورة. وعلى كل حال، يبقى هنالك الكثير بإمكان دولٍ، غير أميركا ومؤسسات غير أميركية، أن تقوم به لدعم المشروع العراقي الكلي. تتضمن هذه المهام الحيوية عملية تدريب وتجهيز الشرطة والقوى العسكرية العراقية، وضبط الحدود العراقية، والتقليل من ديون العراق. ومن أجل مضاعفة المساهمة التي يمكن لأطراف ثالثة القيام بها لتحسين الأمن العراقي والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق، تحتاج الولايات المتحدة للوصول إلى كافة المساهمين، الدول المحتملة، المؤسسات الدولية ... الخ، والعمل بروح الشراكة، والرغبة في المشاركة بعملية صنع القرار والتنسيق مع الآخرين، استناداً إلى النظرة المشتركة لعراق جديد يعيش بسلام مع نفسه ومع جيرانه.
إن دور جيران العراق في هذه العملية حسّاس للغاية. البعض، مثل الأردن، يلعب دوراً مساعداً في العراق على عدة مستويات، ويستحق دعم وتأييد الولايات المتحدة. وعلى العكس، فإن سورية وإيران تساهمان في زعزعة الأمن في العراق، بتقديمهما الدعم المعنوي السياسي وحتى المادي للعناصر التي تعمل ضد النظام. في حالة سورية، يتضمن ذلك تقديم تمويل وتدريب والمسائل الاستخباراتية واللوجستية (الإمداد والتموين) والتسليح وتوفير ملجأ آمناً للمتمردين. وقد تشكل إيران مشكلة أكبر، حيث أنها تُخفي طموحات إستراتيجية تتعلق بإقامة حكومة موالية لطهران في العراق، وقد قامت بخطوات من خلال الفئة السياسية الشيعية تجاه تحقيق هذا المآرب. وعلى أقل تقدير، فإن كل من إيران وسورية تعتبر العراق مجالاً لممارسة الدفاع المتعاضد، آملين بإعاقة الجهود الأميركية المستقبلية المتعلقة بتغيير الحكم من خلال رفع تكاليف القوات الأميركية العاملة في بلد تغير النظام فيه فعلاً. وبما يتعلق بالسياسة الأميركية، يجب على واشنطن أن تبين لدمشق وطهران فوائد التعاون إضافة إلى ما يكلفه عدم التعاون بما يتعلق بالعراق. ومع كل منهما، تعتبر العراق بنداً واحداً من بين البنود الواردة في أجندة طويلة معقدة، ويُعتبر المنهج الموحد تجاه كل دولة أمراً مناسباً (سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران وسورية تم طرحها بتفصيل أكبر في الأجزاء اللاحقة من هذا التقرير). على أي حال، بما أن هذه المنطقة تُعتبر حالة أمنية ملحة بالنسبة للمصالح الأميركية، فإن العراق هو أيضاً المكان الذي على السوريين والإيرانيين أن يجدوا من خلاله مدخلا للمعاناة الأميركية من التطفل الخارجي.
إن الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية للوضع الداخلي في العراق متداخلة ومترابطة بشكل كبير، سواء إيجابياً أو سلبياً. إن الأمن الجيد هو مفتاح إيجاد مستويات طبيعية من النشاط الاقتصادي والسماح للانتخابات التي تُعتبر بحد ذاتها مسألة أساسية للانتقال السياسي، في حين أن البيئة السياسية والاقتصادية المرتبطة بالأحداث بإمكانها أن تساعد بشكل كبير في الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن. إن للولايات المتحدة دوراً محورياً في كل هذه النواحي الثلاث.
ستكون الولايات المتحدة بحاجة للحفاظ على دورها الأساسي في إعادة تأهيل الاقتصاد العراقي. إن المشكلة الأكثر إلحاحاً، مع ما تتضمنه من موقف أمني حسّاس، هي البطالة. ووصولاً لهذه النقطة، يجب على الإدارة أن تضغط على الكونغرس من أجل الموافقة على تغيير القوانين بحيث تسمح بالمبلغ الإضافي البالغ 18.4 مليار دولار (تشرين ثاني 2003) ليُستخدم في مشاريع العمل المكثفة المنُفذة من قبل القطاع الخاص العراقي والذي لا علاقة له بالعقود الأميركية، مع الإشراف المرن والمكثف بنفس الوقت على تلك العقود بما يتوافق مع الواقع العراقي. ويجب أن يكون الهدف هو تلبية الاحتياجات المحلية بسرعة، وذلك في أثناء خلق معايير الشفافية والمسؤولية في الأعمال العامة. ويجب على الولايات المتحدة الضغط للحصول على مساعدات من متبرعين ووكالات دولية أخرى للعمل بشكل فعال في المناطق العراقية التي تسمح الظروف الأمنية فيها بذلك، وعلى وجه التحديد، يستطيع المتبرعون بالمساعدات إظهار أن المجتمع الدولي يقبل بشكل كامل بأن الشمال الكردي هو جزء من العراق. وبشكل متزامن، الاعتماد على اتفاقية نادي باريس من أجل إعفاء 80% من ديون العراق وقرار واشنطن للمضي أبعد من ذلك من خلال الإعفاء من كافة الديون العراقية المستحقة للولايات المتحدة.
ويجب على الإدارة أن تعزز من الجهود الرامية للمّ شمل الحكومات العربية في منطقة الخليج على الأقل وبشكل يتوافق مع بنود نادي باريس، ويجب عليها حث الكويت للموافقة على تسوية كريمة تتعلق بمطالب التعويض الضخمة الناتجة عن حرب الخليج 1991. وعندما تسعى واشنطن لبذل تلك الجهود، من الهام بالنسبة للإدارة المحافظة على الهدف الإستراتيجي المتعلق بالتواجد الأميركي في العراق بحيث يكون ظاهراً للعيان بأنه من أجل مساعدة العراقيين في خلق بلد مستقر، بحكومة لا توجه تهديداً إلى أي دول أخرى أو إلى المصالح الأميركية الواسعة. إن الطريقة الأمثل لتحقيق ذلك هو دعم نشوء عراق فيدرالي وموحد يمتلك حكومة تعمل بشكل إيجابي، معترف بها شعبياً، ملتزمة بالقانون وتحمي حقوق الأقليات، وحكومة تكون قادرة على صد الهجمات والدفاع عن نفسها ضد أي اعتداء، ولكن بنفس الوقت لا تشكل تهديداً على مواطنيها أو جيرانها. إن تحقيق هذا الأمر من شأنه أن يقدم أساساً متيناً للولايات المتحدة للمضي قدماً نحو أهداف أخرى هامة في المنطقة، بما فيها مواجهة الإرهاب،و فرض تغيير السلوك غير الصحيح للأنظمة التي ترعى الإرهاب وتسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، ومناصرة الديمقراطية، والتحرر والإصلاح، وإعادة إمكانية السلام بين العرب والإسرائيليين. في حين أن الإدارة تحتاج لأن تسعى وراء هذه الأهداف بمعزل عن النتيجة في العراق، فإنه يجب عليها إدراك أن الفشل في تحقيق هذه الأهداف المبينة هنا سوف يعيق الكثير مما نقوم به في مكان آخر في الشرق الأوسط لعدة سنوات قادمة. وعلى وجه التحديد، إذا ما غادر الأميركيون العراق بالطريقة التي يشترك في تصورها العراقيون والشعوب في الشرق الأوسط، وهي إجبارنا على الخروج، فإن قدرة الولايات المتحدة على ردع الأعداء المستقبليين والتغلب عليهم سوف تُقوض بشكل كبير.
وفي هذا السياق، فإن وقت وسرعة انسحاب القوات الأميركية من العراق يجب أن تُحدد بالاعتماد على تحقيق الأهداف، وليس من خلال التواريخ العشوائية. وإذا قامت الحكومة العراقية، التي تم اختيارها بشكل حر ونزيه من قبل العراقيين عبر العملية الانتخابية والتي كافح الأميركيون رجالاً ونساء لحمايتها، بطلب مغادرة القوات الأميركية، فإنه يجب على الإدارة أن تجهز نفسها للعمل بالتعاون مع تلك الحكومة بما يتعلق بالمغادرة بصورة منسقة وبجدول زمني محدد، بدون شرط أو اتهام مضاد. وقبل ذلك، يجب على واشنطن التوضيح أنه بمجرد قيام حكومة عراقية مُنتخبة، تحت سلطة الدستور المصادق عليه، واستقرار الوضع الأمني، فإن الولايات المتحدة سوف تبدأ مرحلة إنهاء تواجدها العسكري. وخلال هذه العملية، يجب على الإدارة أيضاً أن توضح بأنها لا ترغب بالمحافظة على قواعد عسكرية لمدة طويلة في العراق، ويجب على الإدارة أن تستفيد من كل فرصة للتأكيد على أنها لا ترغب بالنفط العراقي أو بالمنطقة العراقية، وبأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى فرض سلطتها على طريقة ممارسة العراقيين للأمور الدينية أو تنظيم حكومتهم. إن مصلحة أميركا تكمن في عراق مستقر آمن تقوده حكومة ذات شرعية واسعة قدر الإمكان. ويجب على أميركا، فيما تقوله أو تفعله، المضي أبعد من ذلك وتوضيح أن المصالح الأميركية لا تكمن في إعطاء الصلاحيات لأي مجموعة دينية أو عرقية، وعدم إعطائها لجهات أخرى، ولكن على العكس، يجب أن تكون اليد الأميركية ممتدة إلى شراكة كافة العراقيين وجميع من يشاركنا أهدافنا في حرية وأمن العراق.
تطوير تكتيكات الحرب على الإرهاب
في عالم ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، أولى الأميركيون اهتماماً أكبر من قبل بمسألة الإرهاب، مظهرين ضخامة وهول وعنف أحداث الحادي عشر من أيلول (إضافة إلى الإمكانية الكبيرة بمواجهة الأخطار التي تمثلها)، وعليه فمن غير المدهش بأن مواصلة الحرب على الإرهاب وبناء جبهة دفاع داخلية أصبحت المقوم الأول للأمن القومي. ومشيرين إلى استثمار الطاقات الوطنية منذ الحادي عشر من أيلول، فإنه من غير المدهش أيضاً بأن الولايات المتحدة، سواء كانت تعمل لوحدها أو مع شركاء دوليين، قد كسبت العديد من المعارك في الحرب على الإرهاب، كاعتقال أو قتل الجهات التنفيذية، وإغلاق الخلايا، ووقف الدعم الواصل لتلك الشبكات. وتحارب الحكومة الأميركية حالياًَ الإرهاب بطرق عديدة وبصورة أكثر فعالية، وبشكل يفوق ما كانت تقوم به في العاشر من أيلول 2001. إن العديد من الدول حول العالم قد استجابت أيضاً للحادي عشر من أيلول (إضافة إلى العديد من العمليات الإرهابية الوحشية التي حدثت قبل ذلك أو بعده) بتأكيد مشابه على الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب. إن جهودها تكمّل جهودنا وتعمل كقوة مضاعفة في المعركة ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، إنهم يستحقون ثناء ودعم الولايات المتحدة. ولكن ومع مرور الوقت، فإن ذاكرة الحادي عشر من أيلول لن تحتفظ بنفس الإلحاح والتفرد بالنسبة للآخرين كما هي الحال بالنسبة للأميركيين. وبالنسبة لواشنطن، فإن إدارة هذه الفجوة المتزايدة المرتبطة بالقدرة على إدراك الأمر (والفوارق في الأولويات السياسية والسياسات التي تنبع منها) ستصبح مسألة ذات أهمية متزايدة. وعلى المستوى العملي، فإن طبيعة التهديد الذي تمت مواجهته في الحادي عشر من أيلول قد تطورت على مدى السنوات الثلاث ونيف السابقة، وسيتطلب أشكالاً جديدة من التحليل والرد، وتتضمن التغييرات الأساسية ما يلي:
التعاون المتقاطع: لقد فرضت الحاجة على الإرهابيين التعاون مع بعضهم البعض بطرق جديدة ومختلفة. إن النجاح في الجهود الرامية لمواجهة الإرهاب لمرحلة ما بعد الحادي عشر من أيلول قد أجبرت عناصر المجموعات، المتباينة أحياناً بوجهات نظر سياسية مختلفة، على العمل مع بعضها البعض وتقاسم الموارد. وبنفس الوقت، فإن إلغاء الصف الأول من العناصر الإرهابية الفاعلة وتدمير البنى التحتية القيادية والتوجيهية في أفغانستان والأماكن الأخرى قد مهدت لحل شبكات الإرهاب وإجبار قادتها على تخفيض سلسلة القيادة بحيث أصبحت هناك حاجة لتكتيكات مطورة في الحرب ضد صناع القرار الإرهابي. وكانت النتيجة هي قيام المجموعات الإرهابية بإيجاد البدائل من خلال التعاون المتقاطع فيما بينها وأنواع مختلفة من القيادات الناشئة. إن الترابط بين الأشخاص المؤثرين تعتمد اليوم بصورة أقل على البنى التنظيمية مما هي عليه الحال مع العلاقات الشخصية المتبادلة المطورة من خلال الأفغان، ومعسكرات تدريب أخرى، والروابط الأخوية بين المسلمين، أو تلك المؤسسات الأخرى التي تجعل من فروع المجموعة تمتد بشكل واضح.
التكيفية: لقد استجاب الإرهابيون للاهتمام الدولي المضاعف تجاه التهديد الذي يشكلونه من خلال إطلاق العنان لأنماط جديدة من المؤسسات والعمليات والسلوك. وبما يتعدى تقاسم الموارد والاعتماد أكثر على العلاقات الشخصية المتداخلة، فإن الإرهابيين يجدون، بشكل وقائي ومستمر، طرقاً لتجنب عمليات مواجهة الإرهاب تقريباً بالسرعة التي تقوم بها الجهات الحكومية بذلك. إن هذا التقدم المضاد يتضح في مجال تمويل الإرهابيين وتحركهم واتصالاتهم واستخدامهم الإنترنت...
رعاية الدولة: حتى في العالم المظلم لخلايا الإرهاب السرية، فإن الإنترنت وسرعة التبادلات المالية الدولية الخفيفة ودور الدول الراعية تبقى مسائل هامة. وبدون الملاذ الآمن والمرور الآمن والتدريب والتمويل والدعم اللوجستي، فإنه عملياً ستكون المجموعات الإرهابية مفتقدة للقدرة على العمل. وفي الشرق الأوسط، فإن إيران وسورية تقدمان الدعم الحكومي الأكبر للمجموعات الإرهابية.
مركزية الوضع في العراق
ظهرت العراق على أنها تهديداً مركزياً في الحرب على الإرهاب، عندما استفادت مجموعة من الجهاديين والبعثيين والعناصر الإجرامية من الفراغ الناتج عن سقوط نظام صدام وعدم قدرة قوى التحالف على فرض النظام بسرعة وبشكل شامل في أعقاب ذلك. إن قائد هؤلاء هو سيء الذكر أبو مصعب الزرقاوي الذي تربطه علاقة بطيف واسع من مجموعات وأفراد المجاهدين مجسداً طبيعة التهديد الإرهابي المتطور الذي تمتلكه عناصر جهادية عالمية. وقد يكون الأمر الأكثر تشويشاً حتى الآن، هو أن حركة التمرد العراقية قد أثبتت بأنها صاحبة دعوة فعالة لهؤلاء الراغبين بالانضمام من أجل ملء المجموعات الإرهابية بشباب مسلم متطرف جديد. وبما يفوق عمليات تدريب الجهاديين الحاليين، فإنه يتم استخدام حركة التمرد العراقية من قبل المروجين المتطرفين في سبيل تجنيد العناصر الجديدة منهم. وبالبناء على تقدم وإنجازات الحرب على الإرهاب حتى هذا التاريخ، يجب على الإدارة أن تسعى نحو الخطوات الإضافية التالية:
السعي لفرض "عدم الشرعية الدولية للإرهاب": ينشط الإرهابيون في بيئة ما عندما يتم تقديم الأعذار عن أعمالهم أو الصفح عنها أو التفسيرات لها. وعلى العكس، عندما لا يستطيع هؤلاء الإرهابيون التمتع بأي حالة دفاع سياسية أو اجتماعية أو إيديولوجية مقبولة، يتم عزلهم ويجدون صعوبة بالغة بالتحرك. تماماً كما سعت الولايات المتحدة، منذ الحادي عشر من أيلول، لحرمان الإرهابيين من أن يكون لهم منطقة يلجأون لها كملاذ أو مكان آمن، وبنفس الطريقة يجب على الولايات المتحدة تعزيز جهودها للعمل مع الدول والمؤسسات الدولية والمؤسسات غير الحكومية من أجل منع الإرهابيين من الحصول على أي شرعية سياسية أو اجتماعية أو أيديولوجية. إن الهدف الرئيسي في هذا السياق يجب أن يكون إقناع الحكومات العربية والإسلامية، علاوة على مؤسسات أخرى كالجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، من أجل المصادقة على الإجماع الدولي المتنامي الذي يحدد الهجمات ضد المدنيين لأغراض سياسية على أنها أعمال إرهابية غير شرعية وبدون استثناء أو شرط. (مؤخراً، قامت الهيئة العليا في مجلس الأمن التي يترأسها الأمين العام للأمم المتحدة والذي يبحث في التهديدات والتحديات والتغيير– والذي من ضمن أعضائه الأمين العام للجامعة العربية– بتقديم تعريفاً مشابهاً تماماً لهذا التعريف). إن فرض اللاشرعية على الإرهاب يجب أن يكون موضوعاً ثابتاً للدبلوماسية الأميركية في دول الشرق الأوسط. عادة ما تكون "نقطة النقاش" مع قادة الشرق الأوسط "كيفية تحسين المناخ" المتعلق بصنع سلام عربي إسرائيلي، وبدلاً من ذلك، يجب أن تتميز بكونها مسألة ملحة تتعلق بالأمن العالمي إضافة إلى كونها مسألة ذات أهمية أساسية مرتبطة بأرواح وممتلكات المواطنين الأميركيين.
البحث عن طرق جديدة من أجل مساندة التعاون الدولي في مواجهة الإرهاب: يتضمن ذلك الاستفادة من خبرة الآخرين إضافة إلى المشاركة بخبرتنا بالخارج، التي يجب أن تكون من بين أولويات مركز مواجهة الإرهاب الوطني الجديد. إن التركيز على آلية تمويل الإرهاب هي أداة ممتازة لدفع عجلة التعاون الدولي في مواجهة الإرهاب نحو الأمام. وبالنسبة لكافة النواحي المتعلقة بالنشاط الإرهابي، فإنها الأكثر قابلية للردع والأقل إيديولوجية. لقد سلط التاريخ السابق الضوء على نجاح إستراتيجية تسمية وتحقير ممولي ومسهلي العمليات الإرهابية، بحيث يجب تطبيق هذه الإستراتيجية على نواحٍ لوجستية أخرى في دائرة الإرهاب. يجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تحافظ وتعمق من تعاونها المثمر مع حكومات غربية أخرى ومع دول عربية أساسية وحلفاء مسلمين، من أجل تبادل المعلومات حول تواجد ونشاط عمل العناصر المتطرفة في الدول العربية والإسلامية، مترافقاً ذلك مع تركيز خاص على نشاطات الدعوة (الدعوة الدينية) للإرهاب والعمليات الإرهابية الميدانية. وبهذه الطريقة، يمكن للتعاون في مواجهة الإرهاب أن يُكمل الجهود الإيجابية الرامية إلى العمل مع المجموعات والأفراد والحكومات غير الإسلامية والمضادة لها، وذلك من أجل خلق تحالف مضاد للتطرف.
مضاعفة الجهود المتعلقة بمنع التسرب عبر الحدود العراقية: إن الاعتراف بأن العراق الآن هو النقطة الأساسية للحرب على الإرهاب والخوف من أن تصبح نقطة إرهاب خطيرة تعطي سبباً آخر للولايات المتحدة من أجل القيام بكل ما تستطيع لدعم إيجاد حكومة عراقية تمتلك الشرعية والقوة الكافيتين للتغلب على التمرد. وعلى نحو مشابه فإن نشوء عراق يكون بمثابة مغناطيس يجذب المتطوعين الجهاديين المتطرفين، يؤكد على أهمية مواجهة انتشار التطرف الإسلامي من خلال حملات إيديولوجية متعددة الأوجه ومبينة في "فصل الإصلاح". وعلى الجانب التكتيكي، تُعتبر مضاعفة الجهود الرامية إلى منع التسرب عبر الحدود العراقية أمراً أساسياً. ومن الناحية العملية، يعني ذلك إجبار سورية، عبر الترغيب والترهيب، لإنهاء كافة أشكال الدعم السلبي والفعّال إلى العناصر المضادة للنظام، سواء كانوا عراقيين محليين أو مقاتلين أجانب.
المجموعات غير المتعاونة مثل حزب الله وحماس تشكل قلقا للولايات المتحدة وللجهود الدولية الرامية إلى مواجهة الإرهاب. إن فكرة أن نشاطات تلك المجموعات هي مقتصرة على المنطقة العربية الإسرائيلية، وبالتالي تستحق أن يكون لها ميزة دولية في الحرب على الإرهاب هي بالواقع فكرة خاطئة وضعيفة من الناحية السياسية. إن كلا هاتين المؤسستين، حزب الله وحماس، تجند وتموّل وتقدم دعماً سياسياً على أعلى مستوى. كلا هاتين المجموعتين تتقاسمان مع بعضهما البعض، ومع تنظيم القاعدة، إيديولوجية خطيرة ومزعجة تعتبر الولايات المتحدة على أنها الشيطان الأكبر. إن حماس، بشبكات الدعم المالي واللوجستي الخاصة بها حول العالم، تمتلك علاقات واضحة مع تنظيم القاعدة، ولم يقم فقط حزب الله بعمليات حول العالم، ولكن هنالك دليلاً واضحاً على تعاونه مع تنظيم القاعدة، وقد تم تأكيد ذلك مؤخراً في تقرير لجنة الحادي عشر من أيلول. للرد على ذلك، يجب على واشنطن العمل بتعاون وثيق مع الحلفاء في أوروبا وإسرائيل وعبر العالم الإسلامي من أجل مواجهة هذه المجموعات وتعطيل عملياتها، وتحديد وكشف علاقاتها مع مؤسسات أخرى ضمن شبكة الإرهاب الإسلامية العالمية.
تركيز الاهتمام الدولي على الدول الراعية للإرهاب أثناء العمل حول المسائل الصعبة التي تطرحها: إن معالجة التحدي المتعلق بالدول الراعية تُعتبر مسألة مربكة، ليس بسبب الصعوبة الشديدة لتحديدها، وإنما السبب يعود إلى أن تحديد أولويات مصالح الولايات المتحدة تجاه دول معينة هي عملية صعبة للغاية. إيران، على سبيل المثال، يُنظر إليها على أنها الدولة التي ترعى الإرهاب بصورة فظيعة. إنها تدعم بفعالية العمليات الخاصة بمنظمات مثل حزب الله، حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني وتقدم الملاذ الآمن للعديد من الإرهابيين من تلك المجموعات وغيرها، بما فيها تنظيم القاعدة. إن الإرهاب، على أي حال، ليس دائماً في قمة الأجندة السياسية للولايات المتحدة بما يتعلق بإيران. ويعود ذلك إلى أن إيران تلعب في نفس الوقت دوراً محورياً في المشهد العراقي، لأنها تُمثل تحديا اكبر يرتبط بالدول التي تملك أسلحة دمار شامل وضد المصالح الأميركية والغربية في الشرق الأوسط، وهي لاعب رئيسي في معادلة الطاقة الدولية، تمتلك بما لا يدعو للشك شعباً تواقاً إلى الديمقراطية والصداقة مع الغرب أكثر من أي دولة أخرى في الشرق الأوسط. إن تحديد الأولويات بالنسبة للجهود الأميركية المتعلقة بإخضاع وإجبار دولة مثل إيران لإحداث تغيير هي ليست بالمهمة البسيطة ومن المحتمل أن تتغير على مدى الوقت. الأمر الواضح، على أي حال، هو أن تكتيك التسمية والتحقير، المستخدم بنجاح كبير ضد ممولي الإرهابيين الأفراد، يمكن أيضاً أن يُطبق بإيجابية على تلك الحالات.
وكما تبين الأمثلة المتعلقة بقرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية على برنامج إيران النووي أو قرارات مجلس الأمن الأخيرة على سورية والسودان، فإن المجرمين الأكثر تطرفاً لا يرغبون بأن يكونوا تحت المجهر العالمي، وبأن تصبح أسماؤهم ملطخة دولياً. وكما كانت عليه الحالة مع قراري مجلس الأمن الأخيرين، عندما كسر العضو العربي لمجلس الأمن الأعراف ولم يدعم دولة عربية شقيقة، فإن الهدف الأكثر خصوصية لدبلوماسية الولايات المتحدة يجب أن يكون إقناع الدول العربية والإسلامية بضرورة الانضمام إلى الأعضاء الرئيسين للمجتمع الدولي، وخاصة عندما تكون معاقبة الدولة الخارجة عن القانون مسألة واضحة وصارمة للغاية. ونظراً لأهمية تلك التطورات في سياسة مواجهة الإرهاب، فهي لا تعالج التحدي الإستراتيجي (الذي نستمر مع حلفاءنا في مواجهته) في انتشار التطرف الإسلامي في الشرق الأوسط. إنه تحد سياسي واجتماعي وثقافي لناحية مختلفة بشكل كامل، تلامس أسئلة أساسية للعلاقات مع الدول والحكومات والأفراد. (إن مواجهة زيادة التطرف الإسلامي في أوروبا ومناطق أخرى خارج الشرق الأوسط هي أيضاً مسألة ملحة، على الرغم من أنها خارج نطاق هذه الدراسة). إن الرد المناسب على هذا التحدي الإستراتيجي يكمن في شن حملة فكرية ضد التطرف الإسلامي وإصلاح الأنظمة التي تكون مشاركتها في هذا الجهد هامة. إن مواجهة الإرهاب كمسألة تكتيكية قد تمت مناقشتها هنا تحت عمود الأمن، إستراتيجياً، تُعتبر المعركة ضد التطرف الإسلامي قد عولجت تحت عمود الإصلاح أدناه.
مواجهة امتلاك أسلحة الدمار الشامل والتحدي المتمثل بإيران بعد أكثر من عقد على انهيار الاتحاد السوفييتي: هنالك إجماع على أن التهديد الأخطر الذي يواجهه الأمن القومي الأميركي هو انتشار أسلحة الدمار الشامل وخاصة الأسلحة النووية. إذا ما تم استخدام هذه الأسلحة من قبل دول معادية للمصالح الأميركية، فإن التهديد سيكون كبيراً، وإذا أصبحت هذه الأسلحة في أيدي المجموعات الإرهابية التي تكون أفكار الردع تجاهها ضعيفة ومعدومة، فإن التهديد سيكون شديداً للغاية. في هذا السياق، يُعتبر الشرق الأوسط والمناطق المجاورة له مكاناً لتهديدات أسلحة الدمار الشامل ذات الإشكالية الأكبر في العالم. الخطر الرئيسي بينها هو احتمالية انتقال الأسلحة النووية إلى المنظمات الإرهابية والطموحات النووية لجمهورية إيران الإسلامية. وعلى الرغم من المطالب الملحة المتعلقة بالعراق والحرب على الإرهاب، يجب على الرئيس التأكيد على أن التعامل مع تهديدات أسلحة الدمار الشامل، على المدى القصير والمتوسط، يلقى اهتماماً مباشراً يستحقه، ومن مستويات عليا.
إن تعزيز نظام منع انتشار أسلحة الدمار الشامل الدولي، على ضوء الدروس المأخوذة من الخبرة الحالية للبرامج الليبية والإيرانية، لن يكون عملية سهلة. إن بعض الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية غاضبة لما تعتبره فشل الدول النووية في ممارسة مسؤولياتها بناء على معاهدة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل والعمل على تقليل وإبطال الأسلحة النووية، والدليل على ذلك استمرار الاحتفاظ بكميات ضخمة من الرؤوس الحربية بعد خمس عشرة عاماً على انتهاء الحرب الباردة. حسب التحضيرات الخاصة بمؤتمر منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في ربيع 2005، يجب على الإدارة أن تتخذ الخطوات من اجل معالجة تلك القضايا. على وجه التحديد، يجب على الإدارة توضيح أن الوصول إلى اتفاقية بطرق تعزز معاهدة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل هي هدف هام تكون الولايات المتحدة مستعدة لأن تدفع ثمناًُ معيناً من أجل تحقيقه.
قد يتضمن ذلك إعادة مراجعة هذا القرار ليس من أجل المصادقة على معاهدة حظر الاختبار الشاملة وحتمية تضمينه تخفيضات إضافية في الترسانة الأميركية والروسية.
هنالك طرق عديدة يكون من المفيد أن تعمل من خلالها للولايات المتحدة مع الحلفاء والشركاء على إيجاد قوانين جديدة من دول حيادية تُطبق على كافة الدول. يجب وضع هذه القوانين بحيث تعالج مسألة مواجهة امتلاك أسلحة الدمار الشامل والتحدي المرتبط بإيران بخصوص الدول المسببة للمشاكل، كإيران، ولكنها تتم عبر القوانين الدولية المطبقة بدلاً من نظام خاص يُطبق فقط على دولة واحدة. يجب أن تتضمن هذه المبادئ والقوانين ما يلي:
يطلب قرار مجلس الأمن 1540 الصادر في نيسان 2004 من كافة الدول إيجاد وتطبيق قانون من شأنه أن يضمن استخدام المواد الكيماوية، ويعزز ضوابط تصدير المواد النووية، ويجرّم التجارة النووية، وذلك لكونه قد تم تبنيه في الفصل السابع، ضامناً كافة الوسائل الضرورية لضمان التقييد. يجب أن يقدم ذلك أساساً لتوسيع وتعميق مبادرة الأمن المتعلقة بامتلاك أسلحة الدمار الشامل ضمن نظام دولي كامل من أجل تحريم النشاطات المرتبطة بامتلاك أسلحة دمار شامل، إضافة إلى إيجاد نظام يتعلق بملاحقة الشركات والأفراد المسؤولين عن مشاكل امتلاك أسلحة الدمار الشامل التي لا تغطيها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في هذا السياق، يجب على الولايات المتحدة الضغط على باكستان من أجل القيام بمحاسبة كاملة لنشاطات شبكة عبد القدير خان.
يجب على واشنطن أن تحث شركاءها على التفاوض مع كوريا الشمالية للضغط على بيونغ يانغ لتضمن عدم تصدير التكنولوجيا النووية، إن أحد أهداف السياسة الأميركية في هذا المجال يجب أن يكون الوصول لاتفاقية بين الشركاء الدوليين المناسبين تنص على أن تصدير التكنولوجيا النووية من قبل كوريا الشمالية سوف يجعلها تدفع تكاليف باهظة الثمن ومن بينها العقوبات الدولية.
يجب على الإدارة الاستفادة من الاقتراحات المفيدة، بما فيها تلك التي قدمتها فرنسا، بخصوص الإجراءات التي على مجلس الأمن أن يتخذها لتعزيز وتقوية معاهدة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل. إحدى الأفكار هي أن يقوم مجلس الأمن بإعادة التأكيد على مبدأ أن كل دولة تطالب بالانسحاب من المعاهدة ستبقى مسؤولة عن الانتهاكات المرتكبة أثناء تواجدها كطرف في المعاهدة. الاقتراح الأخر هو أن يصرح مجلس الأمن بأن أي دولة تترك معاهدة حظر انتشار أسلحة المار الشامل لن تستمر في جني الفوائد مقابل توقيعها على هذه المعاهدة. يتطلب ذلك من الدولة المنسحبة فك أو إغلاق أو إعادة أي تكنولوجيا نووية إلى موردها الذي استلمتها منه عندما كانت عضواً في معاهدة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل. وعلى نحو مشابه، يجب على الإدارة أن تطالب بعقد اتفاق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ينص على أنه يجب على أعضاء معاهدة حظر انتشار أسلحة المار الشامل، تعليق التعاون النووي مع أي دولة يُكتشف بأنها انتهكت اتفاقية الحماية الخاصة بها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو التي يتعذر على وكالة الطاقة الدولية أن تقدم لها ضمانات كافية بخصوص الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي. ويحتاج المجتمع الدولي إلى ممارسة ضبط أكبر على عمليات تخصيب اليورانيوم وفصل البلوتنيوم، حسب ما تم اقتراحه بشكل منفصل من قبل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية والرئيس بوش.
يجب أن تضمن الإدارة التمويل الكامل تحت برنامج التقليل من التهديدات المشتركة (Nunn-Lugar) لتعزيز الأمن في مواقع (المختبرات، مفاعلات الأبحاث والمرافق المرتبطة بالوقود) التي تحتوي على المواد النووية في الاتحاد السوفييتي السابق وفي أماكن أخرى، والتي إذا ما وصل إليها الإرهابيون، قد تُستخدم لصنع أسلحة أو قنابل نووية. ولتجنب الخطر المحتمل، يجب أن تتم العملية السريعة من قبل الرئيس، وأن يتم تخصيص ميزانية أكبر لها والمشاركة بعدد أوسع من الدول. إن الشراكة الدولية ضد انتشار أسلحة ومواد التدمير الشامل التي بدأت في 2002، يجب أن تتوسع بحيث تزيد عن عضوية الدول الثمانية الكبرى، ويجب على الولايات المتحدة أن تأخذ الدور القيادي في تقديم المبلغ الذي تعهدت بدفعه والبالغ 10 مليارات دولار والتي وعدت الدول الثمانية الكبرى بأن تلبيه.
في حين أن كافة دول الشرق الأوسط تدعم هدف تأسيس منطقة خالية من أسلحة الدمار شامل، فإنه من غير العملي تطبيق هذا الهدف حتى تعيش كافة الدول في تلك المنطقة بسلام مع بعضها البعض. وعلى وجه التحديد، يعني ذلك عدم إمكانية تطبيق أي مبادرة حتى تدرك كافة دول الشرق الأوسط رسمياً حق إسرائيل بالوجود ضمن حدود آمنة. ولكن حتى قبل تحقيق العمل الدبلوماسي، فإنه بالإمكان البدء بنقاشات محددة حول شكل تلك المنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل. وفي هذا الخصوص، يجب على الولايات المتحدة تشجيع الدول الصديقة والمنظمات غير الحكومية على إجراء الدراسات والحوارات التي تكشف الأمور المحيطة ومتطلبات تلك المنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل. وبشكل خاص، سيكون الكثير من العمل بحاجة إلى تحديد دقيق للظروف التي تسبق ذلك من أجل تحديد الوقت الخاص بإيجاد هذه المنطقة والإجراءات المتعلقة بالتحقق والتي تقوم بها الدول الأعضاء إضافة إلى الجهات الدولية، وقد يكون على القوى الخارجية أن تلعب دورها في هذا السياق. علاوة على ذلك، يجب على الولايات المتحدة تشجيع الدول في المنطقة على استكشاف آليات ضبط أسلحة أخرى وبناء الثقة وإجراءات إيجاد الأمن التي بإمكانها القيام بها من أجل دفع العملية قدماً للوصول إلى تلك المنطقة. وبخصوص الوضع الإسرائيلي المتعلق بعدم توقيع إسرائيل على معاهدة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، قد يكون من المفيد على وجه الخصوص تحديد الخطوات التي على إسرائيل القيام بها في الوقت المناسب، والمتوافقة مع احتياجاتها الأمنية. وإحدى الأفكار التي يجب استكشافها، على سبيل المثال، هي امتناع إسرائيل عن إنتاج المواد الانشطارية في حال وافقت كافة الدول في المنطقة على القيام بذلك.
وعند السعي لاتخاذ هذه الخطوات، تحتاج الإدارة إلى توضيح منهجها حول توحيد مواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل ضمن الأجندة النهائية للأهداف الأميركية في مواجهة دول محددة. ويجب أن يكون مبدأ العمل هو تعامل الولايات المتحدة مع ممتلكي أسلحة الدمار الشامل الذين تخلوا عن برنامجهم المتعلق بامتلاك أسلحة الدمار الشامل من خلال التقليل من العزل الدولي المفروض عليهم، ودعم القيود المفروضة، من طرف واحد أو أطراف متعددة والمرتبطة بانتشار أسلحة الدمار الشامل، على العمليات الاقتصادية والتفاعل الدبلوماسي... الخ. بالنسبة للدول التي تمتد إثارتها للمشاكل على مناطق خارج نطاق انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتخلت بنفس الوقت عن امتلاك أسلحة دمار شامل لوحدها، يحب عدم محو السجل بشكل كامل. والنقطة الهامة على وجه الخصوص هي الدعم المباشر أو غير المباشر للإرهاب، بما فيه الإرهاب الذي يهدف إلى منع الحل السلمي للصراع العربي الإسرائيلي. في تلك الحالات، يجب على الولايات المتحدة استخدام فرصة التخلي عن برنامج أسلحة الدمار الشامل من أجل إيجاد حوار على أعلى المستويات مع تلك الدول لمعالجة مسائل هامة أخرى. وبدون تحقيق تقدم على هذه المسائل، فإن الدول التي امتلكت أسلحة دمار شامل بالسابق يجب أن تدرك بأن تطبيع العلاقات الكاملة المحتملة مع الولايات المتحدة سيبقى أمراً مستحيلاً، إن التقدم للوصول إلى النتائج الكاملة، سيؤدي إلى علاقات صداقة مفتوحة.
إن النجاح في حث ليبيا على التخلي عن برنامج امتلاك أسلحة الدمار الشامل الخاص بها يخلق تحدياً لإدارة بوش. وللعمل بشكل متناغم مع حلفائها، تحتاج واشنطن إلى إيجاد طرق للترحيب بخطوة ليبيا الإيجابية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وبذلك تشجع الدول الأخرى على إتباع نفس الطريق وتبديد الشكوك الإقليمية التي تشير إلى أن الولايات المتحدة قد اعترفت الآن بنظام القذافي وغضت طرفها عن الديكتاتورية الليبية. إن المفتاح بالنسبة للولايات المتحدة هو التوضيح بأن أعمال ليبيا الأخيرة يمكن أن تقدم أساساً يمكن بناء العلاقات الثنائية عليه، ولكن البنية الكاملة لتلك العلاقات تحتاج إلى تقدم جوهري وكبير من قبل ليبيا وعلى ثلاث جبهات:
1- التقدم الثابت بما يتعلق بالإصلاح الداخلي السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
2- توقف التدخل الليبي في الشؤون الداخلية لدول أخرى (مثل المشكلة الليبية المتمثلة باغتيال ولي العهد السعودي الأمير عبد الله).
3- إنهاء المعارضة الليبية للحل المتفاوض عليه حول الصراع العربي الإسرائيلي.
وفي حين أن واشنطن قامت بمناقشة بعضاً من هذه المسائل مع طرابلس، فإنها تحتاج إلى زيادة مستوى هذا الحوار على الرغم من أن أوجه نجاح ذلك محدودة مع ليبيا. ومن خلال ذلك، تحتاج الإدارة إلى أن تبقي بالأذهان الهدفين المتعلقين بتشجيع دول أخرى الساعية لامتلاك أسلحة الدمار الشامل على التخلي عن برامج تسلحهم التي تشكل مشكلة حقيقية، وبنفس الوقت عدم إعطائهم خيار السعي وراءها، وبعد ذلك إيقاف تلك البرامج كطريقة لتحويل الأنظار عن سلوك آخر لها يمكن الاعتراض عليه.
التحدي المرتبط بإيران
في حين أن واشنطن تعارض بوضوح امتلاك أسلحة نووية من قبل أي دولة، لكنها في الشرق الأوسط يجب أن تشعر بقلق خاص حول إيران. ويعود ذلك إلى دعم إيران النشط للإرهابيين، بما في ذلك المجموعات المسؤولة عن موت الأميركيين، ومعارضتها العلنية لوجود إسرائيل (بما في ذلك البيانات التي ما زالت مؤثرة والصادرة من قبل الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني والتي تتوقع احتمالية المقايضة النووية مع إسرائيل)، ولننسى معارضتها لحل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، فهي مستمرة بالعمل مع تنظيم القاعدة، ونزاعاتها حول الحدود والموارد الطبيعية مستمرة مع الدول العربية في الخليج، وكذلك نشاطاتها في العراق، بما فيها الروابط الوثيقة مع بعض العناصر الأكثر تطرفاً هناك. إن مسألة وقوف إيران على حافة امتلاك أسلحة نووية يجعل من السلوك الإيراني المستقبلي سيئاً على كافة تلك الجبهات. بعيداً عن كونه عاملاً معتدلاً على السلوك الإيراني، فإن اكتساب إيران لقدرة امتلاك أسلحة نووية– الذي يجب تجاوزه– سوف يزيد بشكل كبير احتمال قيامها بممارسة تأثير سلبي على الدول الإقليمية وسوف يغير بشكل جوهري توازن القوى في المنطقة.
إن السبب الرئيسي للاهتمام المضاعف حول برنامج إيران النووي هو أن الفشل في حل التحدي المتمثل بامتلاك إيران لأسلحة دمار شامل قد يضعف بحد ذاته بشكل جدي نظام حظر استخدام أسلحة الدمار الشامل الدولي. إذا ما فشلت كافة الجهود التي تبذلها الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الأوروبية والولايات المتحدة في منع حصول إيران على أسلحة نووية، عندها من المحتمل أن تصل العديد من الدول إلى نتيجة عدم وجود عوائق فعالة في وجه انتشار أسلحة الدمار الشامل. في الشرق الأوسط لوحده، قد يشكل امتلاك إيران لأسلحة الدمار الشامل نقطة حساسة يكون من الصعوبة بمكان بعدها إيقاف امتلاك أسلحة دمار شامل من قبل دول أخرى مثل السعودية، التي قد تشعر بالتهديد الإيراني، أو من قبل دولة مثل مصر، التي قد تجتمع فعاليتها الوطنية واهتماماتها الأمنية لإجبارها على الانضمام إلى النادي النووي بمجرد أن قام الكثيرون في المنطقة بذلك، أو حتى من قبل دول مثل سورية أو الجزائر. وقد يكون لذلك أصداء في مناطق أخرى أيضاً. وباختصار، إن الخوف من امتلاك إيران قدرة الوصول للسلاح النووي لا يكمن في عدم قدرة إعاقة النظام الإيراني من خلال طبيعته، ولكن بسبب أن التهديد الناتج عن التأثير الكارثي لهذه القدرة الجديدة قد يؤثر على توازن القوى الإقليمية، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، العمل بالمثل الذي من شأنه أن يحفز على سباق التسلح النووي الذي سوف يترك المنطقة برمتها، والعالم، بحالة سيئة.
يجب أن يبدأ التعامل مع التحدي المتمثل بامتلاك إيران لأسلحة الدمار الشامل برفع مستوى التنسيق والتبادل الاستخباراتي حول هذه المسألة مع الدول الحليفة الرئيسية في أوروبا وأسيا والشرق الأوسط. وعلى ضوء الخبرة في العراق، فمن الأساسي القيام بالجهود الدولية من أجل منع امتلاك إيران لقدرة الوصول لأسلحة نووية بالاعتماد على تقييم تقدم إيران نحو ذلك الهدف الذي يجب أن يكون شاملاً وجامعاً ومتفقاً عليه قدر الإمكان. مع ومرور الوقت وزيادة الإلحاح المتعلق بالمسألة الإيرانية، فإن المحافظة على التبادل الاستخباراتي والتحليلي تُعتبر مسألة هامة من أجل حصر النزاعات بين واشنطن وحلفائها حول الفوارق بالتكتيكات بدلاً من الخلافات الأساسية حول طبيعة المشكلة. ويجب أن تبدأ الدبلوماسية بجهود التنسيق بين واشنطن وحلفائها الرئيسيين بحيث يتم إقناع إيران بأن الأسلحة النووية لا تخدم أغراضها. آخذين بعين الاعتبار أن إيران تريد الحصول على الأسلحة النووية من أجل ردع التهديدات المتوقعة لدى جيرانها غير المستقرين، وبعدها قد يكون بإمكان الولايات المتحدة وبالتنسيق مع حلفائها وأصدقائها أن تقترح وسائل أخرى لمعالجة مسائل الأمن الشرعية الإيرانية وقلقها حول الهجوم المحتمل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى أي حال، فإن أهداف إيران في السعي لامتلاك أسلحة نووية يبدو أنها ليست ذات طبيعية دفاعية فقط. بدلاً من ذلك، يبدو أنها تسعى لامتلاك أسلحة نووية كرمز من الفخر الوطني وكأداة لتأكيد القوة بالمنطقة. إن الأهداف الإيرانية هذه المتعلقة بالأسلحة النووية، وبشكل خاص للدرجة التي تريدها إيران من أجل فرض إرادتها على الدول الأخرى، ليست مقبولة للولايات المتحدة. بالتالي، فإن هدف السياسة الأميركية يجب أن يكون العمل مع الحلفاء لإيجاد وسائل تُقنع إيران بأن امتلاك الأسلحة النووية سوف يكون له ثمناً باهظاً يستحقه، سواء لأن ذلك الامتلاك يمنع إيران من تحقيق أهدافها الكبرى، أو أنها تفتح على إيران باباً من العقوبات كونها غير مستعدة للقبول بها بأي حال من الأحوال.
ولن يكون ذلك عملاً سهلاً، فمن أجل تحقيقه ستكون واشنطن بحاجة إلى العمل على تعميق وتوسيع الإجماع الدولي حول برنامج إيران النووي وما يشير إليه من حالات عدم استقرار، والعمل بشكل وثيق قدر الإمكان مع دول أوروبا خاصة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
وبخصوص العراق، يُفضل التعاون الأميركي الأوروبي ولكنه ليس أساسياً، وبخصوص إيران، يُعتبر التعاون الأوروبي الأميركي ضرورة ملحة للغاية، وخاصة إذا ما كان يجب حل هذه المشكلة عبر الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية لوحدها. وعلى وجه التحديد، تحتاج الولايات المتحدة إلى خلق إجماع مع حلفائها الأوروبيين ينص على أنه من الغير المسموح لإيران الوقوف على حافة القدرة على امتلاك أسلحة نووية، وفي ذلك تعتمد الولايات المتحدة على الرسالة الألمانية الفرنسية البريطانية الموجهة لإيران والتي تُلح على ضرورة تخليها عن دورة الوقود المغلقة الكاملة. والعنصر الرئيسي لهذا الإجماع هو رغبة الولايات المتحدة في زيادة الحوافز لإيران في حال حققت تقدماً جوهرياً، والرغبة الأوروبية بالانضمام إلى الولايات المتحدة في تطبيق العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية وحتى العسكرية ضد إيران في حال الوصول إلى طريق مسدودة.
وبما أن مفتاح القضية هو حث إيران على تقديم الجزرة الأكبر والتهديد بعصا أكبر، فيجب على الولايات المتحدة وأوروبا أن تلعبا دورهما منفردتين، ويجب على الطرف الأول إضافة الحوافز الموازية للعقوبات التي تستخدمها، في حين أنه يجب على الطرف الآخر إدخال التهديد المعقول للعصا (والرغبة باستخدامها) ودمجها مع الجزرات التي تقترحها. إن المبدأ الذي يحكم سياسة الولايات المتحدة تجاه اتفاقية تقودها أوروبا مع إيران هو أن حجم الجزرات الأميركية يجب أن يتناسب مع حجم المقايضة الإيرانية.وفي حال كانت إيران تتجه نحو الموافقة على إنهاء كافة برامجها النووية وبآليات إثبات مناسبة، فعلى واشنطن تولي قيادة برنامج المساعدة الدولية لتمويل تطوير بدائل الطاقة النووية. وإذا اتجهت إيران نحو الوصول إلى اتفاقية مع الأوروبيين حول توريد الوقود المستهلك اللازم لصنع الطاقة النووية في مفاعل بوشهر مقابل إنهاء إيران لكافة نشاطاتها في التخصيب والتأكيد على إعادة معالجة الوقود المُستخدم، فإن على الولايات المتحدة عرض إمكانية وصول الإيرانيين إلى الوقود بشرطين: أولاً، بأن توافق إيران على إجراءات التفتيش الصارمة والكاملة للمنشآت النووية. وثانياً، بأن توافق أوروبا على التعريف الدقيق والجدول الزمني لتطبيق العقوبات التي ستفرض في حالة خرق إيران للاتفاقية.
اللاعب الأخر هو روسيا التي لديها دور أساسي. تعتبر موسكو لاعباً هاماً لإبلاغ إيران بالثمن الباهظ الذي سيدفعه الإيرانيون إذا ما استمروا في سياساتهم النووية الحالية ويجب أن تكون هذه المسألة بشكل دائم ضمن العلاقات الروسية الأميركية. إن منشأة بوشهر للطاقة النووية التي تبنيها روسيا، هي مسألة ذات أهمية رمزية كبيرة بالنسبة للنظام الإيراني. ويجب أن يتبنى الروس موقف عدم إكمال هذا المصنع حتى الوصول لإنهاء مقبول للاتفاقية الإيرانية الأوروبية حول المسائل النووية، وسيكون ذلك دافعاً قوياً لطهران للوصول إلى تلك الاتفاقية. إن ذلك ليس فقط لمصلحة الولايات المتحدة، إذ أن لروسيا أيضاً مصلح