بلد التجارب الفريدة |
جمال الدويهي
لبنان بلد
صغير، قليل الإمكانات قليل الموارد وقليل الحيلة. ولبنان هو أيضاً كثير التنوع كثير
الحيوية وكثير الصخب.
لبنان بلد صغير ، لكنه كان دائماً وما يزال "معجوقاً" بنفسه، وقادراً على استيلاد
التجارب الفريدة.
كائن عجائبي، ينام على شبه انهيار اقتصادي، ليستيقظ منتصراً على إسرائيل، وما أدراك
ما إسرائيل!
"Petit Poucet" الأمة. يقف على شفير الهاوية مشلعاً مخلخلاً، ومع ذلك هو أشبه بقوة
إقليمية عظمى، "كيّع" أميركا ومن لفّ لفها من أوروبيين وشرق أوسطيين جدد وعرب
معتدلين وسواهم.
يقول المسيحيون اللبنانيون أنهم علة وجود الكيان، وسر هذا البلد، وهذا صحيح.
ويقولون أيضاً إنها الحرية، وثقافة الحرية التي طلعت بها أوروبا الأزمنة الحديثة،
واستطاع مسيحيو لبنان استيعابها وتبنيها مساراً لهم وللبلد، وهذا صحيح أيضاً.
ودرج المسيحيون على التباهي خاصة بتجربة الستينيات والنصف الأول من السبعينيات، حتى
شهد لبنان نهوضاً ثقافياً عارماً فغدا منارة للعرب، وغدت بيروت "ست الدنيا" على ما
يقول نزار قباني. ويستذكرون تلك الحقبة بمزيج من الفخر والأسى والحنين: جريدة
النهار، مربية الأجيال وزينة الصحافة العربية؛ الجامعة اللبنانية ونشاطها
الاستثنائي بحيث كانت مظاهرات طلابها تهز البلد وتُسقط الحكومات؛ المفكرون
والمثقفون والأدباء والشعراء وعشاق الفن السابع ورواد الحركة المسرحية والرحابنة
والسيدة فيروز والحركات اليسارية والندوات والمحاضرات ومقاهي شارع الحمراء؛ و...
و... وهذا كله صحيح.
إن وجود عدة طوائف في لبنان، والنظام التوافقي الميثاقي الذي أقرته فيما بينها،
إضافة إلى ثقافة الحرية، منعت قيام نظام قوي يقبض على خناق الجميع ويفرض حكم القبضة
الحديدية. لقد أدى ابتكار اللبناني لهذه الصيغة الخاصة من الديمقراطية إلى إيجاد ما
يكفي من القسمات لتترعرع فيها تجارب فريدة من النضال جعلت من لبنان الصغير مساهماً
كبيراً في الصراع العربي الإسرائيلي.
صحيح أن الثورة الفلسطينية عرفت نشأتها الأولى في الأردن. لكنها شبّت ونمت وعرفت
الاكتمال كتجربة وهيكلية وكيان قائم بذاته في الفسحة اللبنانية.
ثم ما لبثت أن قامت، في الفسحة نفسها، واحدة من أهم المقاومات المسلحة العربية،
رائدة في الجهاد وتحقيق الإنجازات، فدحرت العدو الصهيوني في سنة 2000، وانتصرت عليه
في تموز 2006.
أما الآن، فيبدو أن اللبنانيين مدعويين مجدداً لاستيلاد تجربة فريدة جديدة، وعساهم
يقدرون.
نحن اليوم جميعاً مدعوون لخوض تناحر داخلي طاحن من دون الانزلاق إلى حرب أهلية. لقد
بات من الجلي ذهابنا بعيداً في انقسام داخلي حاد لا عودة عنه في القريب المنظور.
حسناً، فلنتصارع ما طاب لنا ذلك، ولنصعّد كيفما شئنا، ولكن من دون قتال. وإذا نجحنا
في القيام بذلك يكون لبنان، هذا الساحر الصغير، قد تمكن مرة أخرى من إخراج تجربة
فريدة للعالم، فتغدو نموذجاً يُحتذى، يُضرب بنا المثل في أصقاع المعمورة: التقاتل
السلمي.
من يدري؟ قد نتمكن من نسج تجربة من هذا النوع. والله أعلم.
جمال الدويهي