Email: elie@kobayat.org |
|
مبارزة فكرية لا عائلية
الدكتور انطوان سركيس ضاهر
النهار 29 آذار 2004
يهب اللبنانيون، هذه الايام، الى الاهتمام بالتحضير للانتخابات البلدية. ولقد اصبح البلد كله خلية نحل تعمل طوال النهار واحيانا ليل نهار في هذا المضمار. وهذا دليل عافية، اذ ان الاهتمام بالشأن العام علامة وعي. لكن كي يكون هذا الوعي صحوة حقيقية، على هذه الحركة الدؤوبة من اجل الانتخابات البلدية ان تعطي مكانة كبيرة للفكر، وأن تبتعد قدر المستطاع عن التقوقع في دفء الانانية والغريزة.
ونحن لا نزال في لبنان، بعيدين كل البعد عن اعطاء الفكر مكانته في
استحقاق الانتخابات البلدية، رغم اعترافنا بأن الفكر يعني الانفتاح والغريزة تعني
الانغلاق، وبأن الفكر هو عطر يفوح من زهور لا تعرف الا العطاء، والغريزة ديدان تنخر
في شجرة "الأنا" بغضا وحقدا وكراهية وضغينة وعصبية حمقاء وانغلاقا على الذات
وتكبيرا لهذه الذات الجوفاء.
ومن مظاهر التجلي السياسي لهذه الغريزة: ظاهرة العائلية. لن اتكلم عن المضمون الاجتماعي للعائلية الذي يعني تضامن افرادها وتلاحمهم وشد اواصر القربى الخ... وكلها ميزات من مجتمعنا الشرقي لا غبار عليها. ما اريد نقده هو بروز العائلة تجمعاً سياسياً يرتكز على الغريزة وعصبة القربى. وما يلفت انتباهي واستنكاري في آن واحد هو الحديث العام عن "دور العائلات" و"احترام العائلات" و"الخصوصيات العائلية" وما شابه مما نقرأ ونسمع هذه الايام على مدار الساعة. وكأن الانتخابات البلدية ليست سوى حلبة مبارزة بين عائلات مختلفة. وعندما تكون الانتخابات تصارع عائلات، تكون المجالس البلدية مجالس تحاصصية شكلاً ووجاهة. ويكون الهم الرئيسي ربح الانتخابات واللحظة الاساسية تكون لحظة اعلان النتائج. اما ما يلي هذه اللحظية، اي العمل البلدي خلال ست سنوات، فهو غير ذي اهمية اذ ان المنتخبين لم ينتخبوا على اساس برنامج ما يرتكز على فكر ما، مما يستدعي احتمال محاسبة ما، بل على اساس الارتباط العائلي، غريزيا، تاركين الفكر معلقا، اي العمل البلدي معلقا، والمحاسبة معلقة، لأن الاقتراع لفلان كان بدافع رابط الدم لا بدافع رابط الفكر الذي يجسده برنامجه الحقيقي. فهل اصبحت العائلة في لبنان حزباً سياسياً؟ وما معنى ان يتنادى اللبنانيون مثلاً على صفحات الصحف، الى تجميع العائلة الفلانية الممتدة من شمال لبنان الى جنوبه؟ هل لمساعدة الفقراء من هذه العائلة، هل لرفع مستوى التعليم في هذه العائلة؟ ان كان هكذا، فليكن، فنحن لا بد لنا من ان ننحني لكن ما نعتقد هو ان محاولات "التجميع" هذه ترمي فقط الى النقر على وتر العصبية ووتر الانتماء ومن بعدهما وتر الوجاهة ووتر الزعامة وما يليهما من اوتار التزلم والاستزلام والخطاب العصبوي الفئوي المنغلق.
إن كانت الطائفية - على صعيد الوطن - آفة، فالعائلية على صعيد البلدة والضيعة آفة الآفات، اذ انها تمنع الناس من التلاقي فيتضارب اصحاب المصلحة الواحدة واصحاب الفكر الواحد واصحاب الحظ الواحد وينقسمون بين من ينتمي الى عائلة زيد ومن ينتمي الى عائلة عمر، فتضيع المصلحة ويضيع الفكر ويضيع الخط.
وما يزيد الطين بلة هو تهافت الزعماء، اي النواب او المرشحين للنيابة، على تغذية هذه العائلية والتدخل المباشر والرئيسي في الانتخابات البلدية، وكأن الاستحقاق هو استحقاق نيابي لا علاقة له بالبلدية وبمشكلات البلدة والناس. ويكون تشكيل اللوائح على اساس العائلات وموازين قواها، فتتقدم تلك العائلة الكبيرة بمرشحها الى الزعيم الذي يؤلف اللائحة، فيقبل نظرا الى اهميتها العددية ويرشحه لرئاسة المجلس البلدي. فما يكون من الزعيم المنافس الا ان يرشح لرئاسة المجلس البلدي شخصا من العائلة نفسها كي تنقسم وتتراجع بالتالي حظوظ نجاح المرشح الاول. وهنا يتنافس المرشحان لكسب الاصوات من خارج العائلة التي ينتميان اليها. فبالطبع يلعب الزعيم دورا اساسياً في "تجيير" اصوات اتباعه لمرشحه، وقسم من هذه الاصوات ينصاع للزعيم كما تنصاع الاغنام للراعي. اما القسم الباقي، المتردد في الانصياع، فيعمل المرشح على اغرائه. وبماذا؟ بالطبع ليس بالفكر ولا بالبرامج، اذ ان لا دور للفكر في هذه المعركة والبرامج اذا ما وجدت فتكون شكلية غير صادقة. يعمد المرشح الى عملية شراء الاصوات إن بالطريقة المباشرة او غالب الاحيان بالطرق الملتوية، مثل تزفيت الطرق الخاصة، انشاء حائط باطون خاص الخ... وهذا ما يستلزم ان يكون المرشح لرئاسة البلدية من اصحاب القدرات المالية ويقطع كليا الطريق الى رئاسة المجلس البلدي على ذوي الدخل المحدود.
وفي النهاية تكون نتيجة العائلية السياسية مزيدا من الانقسامات والتشرذمات داخل العائلة الواحدة، وتكون الانتخابات البلدية مناسبة لخلق الفتن داخل العائلة الواحدة وبين العائلات المختلفة، ولزرع الضغينة والحقد، عدا عن ان العائلية السياسية "تطيّر" مفهوم العمل البلدي وتلغي الفكر بعد أن تكون قد هدمت العائلة رويدا رويدا. واكبر دليل على ما أقوله هو تشرذم كل العائلات السياسية الكبيرة الى مجموعات لا احد يحب فيها أحدا.
هل لنا أن نحلم، نحن في لبنان، بانتخابات بلدية يترشح فيها فلانا وهو مزارع ليدافع عن حقوق المزارعين في البلدة، وفليتانا وهو تاجر ليدافع هو الآخر عن حقوق التجار، وآخر وهو بيئي ليحمل هموم بيئة منطقته، وشاباً رياضياً عنده مشروع لتنمية الرياضة في البلدة الخ... هل لنا أن نحلم بمعركة انتخابية بلدية تتصارع فيها لائحة تريد مثلا أن تقود البلدة إلى توجه صناعي ضد لائحة أخرى تريد المحافظة مثلا على الوجه الريفي للبلدة؟
هل يُسمح لنا، او بالأحرى هل نسمح نحن لأنفسنا بأن نستعمل فكرنا في هذه الانتخابات، بدلاً ان نساق كالأغنام او ان نسوق نحن أنفسنا وراء الغريزة؟
كثيرون يقولون لي عندما اطرح عليهم هذا الموضوع اننا لسنا في سويسرا.
بالطبع لسنا في سويسرا. لكن لي أن اذكّرهم بأن طانيوس شاهين لم يعش في سويسرا، وجبران خليل جبران عندما كتب ما كتب كان لبنانيا، وكم كانت سويسرا تتمنى أن يكون عندها أمثال طانيوس شاهين وجبران. هذا اذا ما كنا نحن في لبنان نريد أمثالهما.
الدكتور انطوان ضاهر
النهار 29 آذار 2004
Email: elie@kobayat.org |
|