سمير جعجع قائد القوات اللبنانية الأخير قبل حلها وحظرها
البشراوي المتصوف والمحارب
في مساره المتعرج حتى المجلس الحربي فالسجن

ميشال أبونجم

البلد، الجمعة 22 يوليو 2005

 

بين دراسة الطب وقيادة القوة السياسية والعسكرية الأبرز على الساحة المسيحية وصولاً الى السجن، تنقل الشاب البشراوي سمير جعجع بين محطات عديدة طبعت حياته وشخصيته بقساوتها وما حملته من مرارات ومفارقات.

وبين القطارة وعين تراز والكرنتينا، راح سمير جعجع يثبت دعائم سلطته ويبني مشروعه لقيادة المجتمع المسيحي بواسطة "النخبة" التي آمن بها، لتحقيق "الثورة" التي طالما عصفت بكيانه منذ فتوته. لكن التحولات الإقليمية والدولية بعد العام 1990، أطاحت أحلامه وجعلته أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن يكون إيلي حبيقة آخر، وزيراً في جمهورية قرارها في عنجر ودمشق، أو باب النظارة. فاختار السجن وأعاد القوات اللبنانية الى التصالح مع مجتمعها ومع الطوائف الأخرى، ولو بعد حين.

في مناسبة خروج جعجع من السجن، هنا مقتطفات ومحطات من حياته.

 

ولـد سميـر جـعجـع فـي حـارة المجـادلة فـي قضـاء بعـبـدا فـي الخـامس والعشـرين مـن تشـرين الأول عام 1952 في عائلة فقيرة.

والده العسكري فريد جعجع الذي تدرج في الجيش ليصبح معاوناً أول، ووالدته ماري جعجع المؤمنة الورعة التي انتقلت الى العاصمة بيروت عندما سكنت فيها مع عائلتها، مواظبة على الصلاة وطقوسها. وسمير هو الذكر الثاني في عائلته بعد شقيقه جوزف ولديه أخت هي نهاد.

وفـي هـذه الأجـواء الـتـي تسـود فـيـهـا قـيـم الانـضـبـاط والـنـظام والتعمق الديني، نشأ سمير جعجع متنقلاً بين المنزل الوالدي في حي مار سابا في الحارة التحتا في بشري صيفاً، وعين الرمانة خلال الشتاء. ولم تعدم طبيعة بشري القاسية ومجاورتها لوادي قاديشا السحيق ومهد المارونية التي تحصنت فيه قبل أن تنتشر في كل لبنان، تأثيرها على جعجع.

 

 

ناسك الوزارة او قديسها

 

فقد طبع مسقط رأس الأديب جبران خليل جبران والقريب من المكان الذي احتبس فيه القديس شربل، سمير جعجع بالميل الى العزلة والتأمل والباطنية التي يقول المراقبون أنه يتسم بها. وهذا التوجه نحو الانفراد والابتعاد عن ضجيج الحياة تميز بهما الشاب الكتائبي وقائد القوات اللبنانية في مراحل حياته كافةً، في عين الرمانة والقطارة وصولاً الى سجن وزارة الدفاع الذي وجد فيه جعجع نقاطاً إيجابية، ومنها مراجعة المراحل السابقة التي مر بها والقراءة والتثقف في المجالات كافة ولا سيما المطالعات اللاهوتية والدينية والفلسفية، ميدان اهتمامه وعشقه الأولين.

فلا عجب أبداً أن يطلق عليه مناصروه ألقاباً من نوع "ناسك الوزارة"، أو قديس الوزارة"...

فالمقاتل والقائد السياسي والعسكري المسيحي أعجبته سير الرهبان وكاد أن يصبح راهباً قبل أن يتوجه نحو الطب وتجرفه الحرب في تيارها وتعرجاتها.

سكن سمير جعجع مع عائلته في عين الرمانة، الضاحية المسيحية التي توافد إليها مسيحيو الأطراف الذين لم ينخرطوا في عملية التمدين والرسملة وأسبغوا عليها طابع الريف ونزعاته. ودرس في مدرسة مأوى العجزة الماروني والفرير حيث شاطر شقيقه جوزيف التفوق الدراسي وأبرز طموحه نحو القيادة وانتزاع دور اجتماعي له.

عارفو جعجع يقولون إنه كان دائماً في تلك الفترة ممارساً لمسيحيته بكثير من التقوى والورع، خادماً للقداس في كنيسة سيدة لورد في عين الرمانة شتاءً وكنيسة مار سابا في بشري صيفاً. وهذا التدين أبعده عن أجواء الصخب الشبابي بحسب بعض العارفين، ونابذاً صيحات موضة الستينات والسبعينات وظل يرتدي البنطلونات الضيقة والقمصان الكلاسيكية.

في العام 1972، بدأ جعجع دراسة الطب في الجامعة الاميركية في بيروت بعد أن حصل على منحة نتيجة تفوقه آملاً في اكتشاف دواء للسرطان. وفي الجامعة الأميركية التي كانت تحضن التيارات اليسارية والقومية المتحالفة مع الثورة الفلسطينية الصاعدة، بدأت مرحلة جديدة في حياة جعجع بالتزامن مع انتسابه الى الحزب المسيحي الطليعي، الكتائب اللبنانية.

 

 

السياسة والحزب

 

انخرط جعجع في صفوف حزب الكتائب الذي كان يشكل خط الدفاع الأول في وجه انفلاش المنظمات الفلسطينية وسلاحها، فضلاً عن مناداة الحزب بالتقدم والتغيير ومحاربة الإقطاع، ما جذب سمير الشاب البشراوي الرافض للتركيبة العائلية والعشائرية في الشمال.

وهذا الرفض للولاءات الدموية التقليدية بقي دائماً في خلفية سلوك سمير جعجع السياسي وخطابه، فاصطدم بالتركيبات المسيحية العائلية في الشمال ضد سليمان فرنجيه، وفي حزب الكتائب ضد آل الجميّل جميعهم، بيار ونجليه بشير وأمين، وإن بقيت المواجهة مع بشير مستترة ولم تكن بارزة وواضحة كمواجهته الرئيس الأعلى للكتائب وشقيقه الذي خلفه في رئاسة الجمهورية.

ويقول سمير جعجع عن العشائرية في حوار مع الصحافي غسان شربل في مجلة "الوسط":

"من البداية هربت من الواقع العشائري، وأدركت محدوديته، وأننا كشباب لا يمكن أن نساهم في أي تطوير أو تغيير من خلال هذا الإطار. هربنا من هذا الوضع الى وضع اعتبرناه أكثر تطوراً، هو الوضع الحزبي(...). ماذا يجمعني أنا بكريم بقرادوني وخليل نادر ومحمد ناصر الدين، غير الإهتمام بتطوير الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والانتقال بلبنان الى وضعٍ أفضل؟".

بدأ سمير جعجع نشاطه السياسي في الكتائب وهو في صف البريفيه من خلال مصلحة الطلاب التي كان يرأسها حينذاك الشاب الأرمني الحامل لواء التغيير في الحزب كريم بقرادوني. والتقى جعجع بقرادوني في النضال من أجل تكريس دورٍ أكبر لمصلحة الطلاب في القرار الحزبي، ومعارضة الأرثوذكسية الحزبية والإلتزام الكلي بقرارات الشيخ بيار الجميّل وما كان يدعى في اوساط مصلحة الطلاب بجو "أعمدة الهيكل".

ويقول أحد رفاق جعجع القدامى انه انجذب بادئ الأمر الى راديكالية حزب الوطنيين الأحرار، مع العلم أن ميول عائلته شمعونية، لكنه فضل التنظيم والإنضباط في الكتائب على فوضوية الأحرار. والمؤسسة المبنية على التنظيم والتخطيط والتراتبية احتلت حيزاً واسعاً في فكر سمير جعجع وسلوكه، وطبق هذه الوسائل عندما تولى قيادة القوات اللبنانية وعمل على إعادة جمعها على أسس جديدة.

وكانت أولى نشاطات جعجع الحزبية تنظيم الانتخابات الطالبية في المدرسة، ثم تلقى دورات تدريبية عسكرية في أكثر من مخيّم للكتائب. وفي الجامعة الأميركية قام بتهريب مسدسات وقنابل خبأها في علب لطابات التنس استعداداً لأي مواجهة في الجامعة التي تعج بالفلسطينيين، وكان شريكه في هذه "العمليات" زميله في الدراسة ورفيقه في الحزب فادي فرام الذي خلف بشير الجميل في قيادة القوات اللبنانية بعد اغتياله.

أولى محطات سمير جعجع العسكرية هي معركة شكا في صيف العام 1976، عندما قاد مجموعة من الكتائبيين في بشري ضد الهجوم الفلسطيني اليساري المشترك على البلدة.

ورويداً رويداً أخذت شخصية جعجع القيادية تظهر وتفرض نفسها على كتائبيي الشمال، فأسس ثكنات عسكرية في الكورة، كانت أولها ثكنة دده. وعمل "الشيف سمير" كما صار يدعى على ضبط التعديات والتجاوزات الميليشياوية.

عاد جعجع الى دراسة الطب في الجامعة الأميركية بعد دخول القوات السورية الى لبنان تنفيذاً لمبادرة السلام العربية، لكنه عارض دخول هذه القوات بلدته بشري، ما دفع الشيخ بيار الجميّل الى التساؤل عمن هو رئيس الكتائب "أنا أو إنت؟".

 

 

بين إهدن وحرب الجبل

 

بعدما اندلعت الحرب مجدداً إثر اشتباك الفياضية بين الجيشين اللبناني والسوري في 9 شباط 1978، أخذت الأحداث العنيفة تتطور في الشمال المسيحي بين أنصار الرئيس سليمان فرنجية والكتائبيين. وحدثت مضايقات واغتيالات وتصفيات توجت بمقتل مسؤول زغرتا الكتائبي جود البايع، فرد حزب الكتائب بتنفيذ عملية إهدن التي قتل فيها الوزير طوني فرنجية مع عائلته والعشرات من محازبيه. كان جعجع في ذلك الوقت يعمل في مستشفى أوتيل ديو (بعد أن اختار الجامعة اليسوعية لإكمال دراسته بسبب الأوضاع الأمنية)،

وشاء القدر أن يرتبط اسمه بمجزرة إهدن مع ما حملته من تداعيات خطيرة على العلاقة بين مسيحيي الجبل والشمال، وبين زغرتا وبشري وعلى سمير جعجع الذي تهجر مع مقاتليه الى جرود جبيل والبترون. قاد جعجع القوة الكتائبية التي هاجمت قصر إهدن بناءً على طلب رئيس المجلس الحربي الكتائبي بشير الجميّل، لكنه أصيب في يده قبل الوصول الى القصر. وفي خلال نقله الى المستشفى أطلقت النار على السيارة التي كانت تقله فأصيب مرة ثانية في فخذه. ومن مستشفى البرجي في أميون حيث تلقى إسعافات أولية نقل الى مستشفى أوتيل ديو.

عزّزت عملية إهدن الثورة في نفس سمير جعجع على زعامة آل الجميّل للحزب وميله الى الحذر، وشكّلت المفصل الأول في حياته، بعدما أصبح هم البعض في القيادة الكتائبية التنصل من العملية ونتائجها. فخشي جعجع من صفقة تعقد على حسابه، وعاد الى مقاتليه الذين تهجروا من الشمال بسبب حملات التنكيل فانتقلوا الى جرود جبيل والبترون، وجعل من دير القطارة مركز قيادته. وفي القطارة غاص "الشيف سمير" مجدداً في اللاهوت والفلسفة والتاريخ ومؤلفات تيار دي شاردان، المفكر المسيحي الذي تأثر سمير جعجع كثيراً بأفكاره.

بعد معركة قنات عام 1979 التي شارك فيها جعجع ضد القوات السورية مدعومةً بالطوافات والدبابات، كانت محطته الثانية مع القدر نقلته من موقع الى آخر وحسمت لديه خيار التغيير في قيادة الكتائب والقوات، في سياق نتائج الهزيمة الكارثية في حرب الجبل عام 1983. ففي حين كان الوضع السياسي والعسكري منهاراً في الجبل، استدعي سمير جعجع من الشمال وطلبت منه القيادة استلام المسؤولية هناك. وعلى الرغم من أنه استطاع إعادة تنظيم الحالة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، فإن موازين القوى الدولية والاقليمية والسلاح السوفياتي وفلسطينيي أبو موسى وأحمد جبريل والحياد الإسرائيلي، عوامل كانت أقوى من أي إرادة وأي تنظيم. خاصةً وأنها ترافقت مع ارتباك ولا مبالاة القيادة السياسية المسيحية التي تأخرت في إرسال الجيش الى الجبل واستلام الأرض من الإسرائيليين المنسحبين. وبين بحمدون المحترقة ودير القمر، عادت صور الماضي ومحطات 1840 و1860 الى ذهن جعجع المنسحب مع رفاقه. فيوسف بك كرم الشمالي فشل للمرة الثانية في إنقاذ مسيحيي الجبل. أصل الداء إذاً في الداخل، في الفوضى وانتفاء الرؤية الإستراتيجية وعدم القدرة على اتخاذ قرار وسط تجاذب دولي وإقليمي حاد.

واختمرت في ذهن جعجع فكرة الانتفاضة والمشروع المسيحي البديل عن إخفاقات القيادة القائمة. ومن سخريات القدر أن سمير جعجع حمل للمرة الثانية مسؤولية الهزيمة في الجبل وارتبط اسمه بالتهجير، مع الإشارة الى أنه كان من معارضي صعود القوات الى الجبل وما خلقه ذلك من استفزازات وحساسيات طائفية.

انطلاقاً من ذلك يمكن القول إن انتفاضة 12 آذار 1985 التي أوصلت سمير جعجع الى قيادة القوات مع رفيقيه إيلي حبيقة وكريم بقرادوني، بدأت في اليوم الثاني لهزيمة الجبل.

مع استشهاد بشير الجميّل غاب القائد الرمز الذي يجمع القوات اللبنانية ويلتزم أركانها بخطه وتوجيهاته، وبدأ الصراع الخفي على خلافته. وعلى الرغم من الإجماع الكتائبي والقواتي الذي حظي به شقيقه أمين لرئاسة الجمهورية، فإنه كان مقدَّراً لشهر العسل هذا أن يكون قصيراً، لأن الجميع يعلم مدى التناقض والخلافات التي نشأت بين فريق بشير وأخيه رئيس إقليم المتن الكتائبي. وساهمت الحوادث التي تلت اغتيال بشير، في خلق الظروف المؤاتية لانتفاضات الصقور في القوات اللبنانية.

 

من هزيمة الجبل الى قيادة القوات

قبل اندلاع حرب الجبل، ترشح الرفيقان القديمان في مصلحة طلاب الكتائب كريم بقرادوني وسمير جعجع الى عضوية المكتب السياسي في حزيران 1983، وانضم إليهما ألفرد ماضي.

 

كان جعجع يترشح للمرة الأولى لعضوية المكتب السياسي، وسقطَ كريم بفارق صوت واحد وتعادل ماضي مع جعجع فأُعلن فوز ماضي بالأقدمية.

 

يروي بقرادوني في حديث الى المسيرة في 29/9/1997، أنه في اجتماع عقد في منزله في الأشرفية بعد الانتخابات، قال له سمير:"... لا حل خارج إطار الثورة، يجب أن نقلب الطاولة على الجميع وتنفيذ ثورة عليهم... يريدون إسقاط كل معارضة ديمقراطية داخلية... أفكر في أن أحرك القوات في الشمال ليلاً وأحتل البيت المركزي فجراً...". لكن كريم نصح جعجع بالتروي وعدَّد الأسباب، فقال له جعجع:" معك حق، ولكن لازم نبلش نفكر هيك".

 

وفي أواخر العام 1983 أفصح سمير عن طموحاته في حديثٍ الى جريدة العمل الكتائبية:

"القوات ضائعة تبحث عن بشير ومعركة الجبل لم تنته".

 

وإثر تولي إيلي كرامه رئاسة الكتائب وانتخاب فؤاد أبو ناضر ابن شقيقة أمين الجميل قائداً للقوات اللبنانية، شعرت القوات بمزيد من التهميش لصالح وصاية حزب الكتائب عليها وإرادة الرئيس الجميّل.

وكانت الشرارة موافقة المكتب السياسي الكتائبي على قرار حكومة الإتحاد الوطني (التي تألفت بعد خلوات بكفيا) إزالة حاجز البربارة بما يرمز إليه بالنسبة للقواتيين المهجرين من الشمال. واستعرت المواجهة أكثر فأكثر مع جعجع الذي أقيل من الكتائب بعد أن هاجم قرار إزالة حاجز البربارة.

 

حتى ذلك الحين، كان الثلاثي جعجع-حبيقة-بقرادوني قد أكمل تحضيراته وتنسيقه للإنقلاب، فقد جمعت مصيبة الإستبعاد من القرار ركني العسكر والأمن في القوات، سمير جعجع وإيلي حبيقة. وفي 12 آذار 1985 سيطرت قوات جعجع وحبيقة على الوضع في المنطقة الشرقية من دون سفك دماء، وتألفت قيادة جماعية للقوات ضمت الى جانب حبيقة وجعجع وبقرادوني، فادي فرام وشارل غسطين وجورج عدوان و"أبو أرز" وغيرهم من قياديي القوات. وتولى جعجع رئاسة الأركان في القوات فيما استلم حبيقة جهاز الأمن.

 

أكبر من حزب وأصغر من دولة

 
في ظل قيادة جعجع انتقلت القوات من مرحلة الى أخرى، فتحولت الى مؤسسة متكاملة أكبر من حزب وأصغر من دولة، على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاعلامية.

 

وشكلت القوات العمود الفقري "للمنطقة الشرقية" التي عرفت ازدهاراً وتطوراً ملحوظين، مقارنة مع باقي المناطق التي غرقت في حروب الأزقة والفوضى.

 

سياسياً تكرست القوات لاعباً أساسياً على الساحة المسيحية، ونسجت تحالفات جديدة مع عراق صدام حسين ومنظمة التحرير الفلسطينية المتخاصمين مع سورية، ما أخرجها من العزلة العربية. ونشأت "مؤسسة التضامن الاجتماعي" التي قدمت المساعدات للمحتاجين، وأصبحت المؤسسة اللبنانية للإرسال الأهم على امتداد الوطن.

 

أما في المجال العسكري، فتحولت الميليشيا من شلل فوضوية متصارعة الى شبه جيش محترف: مدرسة كوادر تخرج ضباطاً، معهد التعليم للرتباء، أسلحة متطورة، سلاح بحري... الخ.

 

بالتزامن مع هذا الصعود لمؤسسة القوات، واجه جعجع عقبات منها حركة انقلابية 10 آب 1986 معترضة على مشروع إعادة التأهيل الذي أراد منه جعجع المزيد من التنظيم وإنهاء ظاهرة "أمراء الثكن". فبعدما اجتازت المنطقة الشرقية التهديدات السورية المتواصلة بعد انتفاضتي 12 آذار و15 كانون، عاد الصراع بين جعجع وحبيقة الذي بقي يحلم بالعودة مظفراً الى المجلس الحربي. لكن محاولته اليتيمة في اختراق خطوط التماس في 27 أيلول 1986 منيت بالفشل الذريع، وتحول الصراع نحو أسلوب محاولات الإغتيال المتبادلة كانت أبرزها تفجير مطرانية سيدة النجاة في زحلة عام 1987.

 

كانت التطورات المتسارعة بين العامين 88-90 مصيرية في تاريخ لبنان والمسيحيين وسمير جعجع. رفض جعجع مع ميشال عون اتفاق مورفي الأسد وشعار "مخايل الضاهر أو الفوضى"، وترجم غضبه من أمين الجميّل الذي ترك الجمهورية في الفراغ بالسيطرة على المتن بعد تولي عون رئاسة الحكومة العسكرية.

 

وفي حرب التحرير اختار جعجع الإنكفاء عن الأضواء داعماً عون في معركته، لكن التعايش المستحيل بين القيادات المارونية العسكرية، على أرضٍ واحدة تتقاسمها قوتان متوازيتان، تحول حرباً طاحنة بين الجيش والقوات عام 1990. انها الحرب التي دمّرت البشر والحجر وقضت على النواة المقاومة للهيمنة السورية.

 

ومع عصر الطائف السوري الأميركي، دخل لبنان في الـPAXA SYRIANA الذي خلق تحديات جديدة أمام سمير جعجع، كانت شديدة الوطأة هذه المرة. فعلى الرغم من كل المحاولات، فشل جعجع في مواجهة القدر الذي لاحقه منذ بداياته العسكرية، وأطبق عليه نظام الطائف المرعي سورياً وأدخله ظلام زنزانة وزارة الدفاع في 21/4/1994، هذه الزنزانة التي لم تفتح أبوابها إلا بعد أحد عشر عاماً من الظلم والاضطهاد و...الانتظار.

 

الثورة تأكل أبناءها

 

كـعادة الــثــورات الـتـي تـأكـل أبـنـاءهـا، تـبـدأ الـقـصـة بـقـيـادة جـمـاعيـة مـن "الـرفـاق" ثـم تـؤول السـلـطة شـيـئاً فشيئاً الى قائد وحيد يستأثر بها.

 

وعلى هذه القاعدة سار حبيقة وجعجع بعد أن أصبحا قطبي القيادة القواتية الجديدة.

 

وفضلاً عن اختلاف الخيارات السياسية في ما بعد والطموح الشخصي، كانت الصفات الشخصية تباعد بين الرجلين. فجعجع إيديولوجي صارم ويأتي من خلفية عسكرية يتداخل فيها الدين بالفلسفة والتاريخ، فيما حبيقة براغماتي يأتي الى السياسة من عالم المخابرات والأمن.

أرسلَ جعجع الى شرق صيدا لوقف التدهور الأمني على الجبهة هناك، ولاحقته لعنة التهجير مجدداً بعد أن كان طالب سابقاً بالانسحاب من المنطقة.

 

تكرس الصراع بين الثنائي حبيقة جعجع في 9 أيار 1985، عندما تولى حبيقة رئاسة الهيئة التنفيذية للقوات معلناً فشل القيادة الجماعية.وكان مهد لحركته بكشف مضمون كتاب يكلف بموجبه كريم بقرادوني وسمير جعجع أمين الجميّل بفتح حوار مع سورية، ما حشرهما في زاوية ضيقة وأتاح لإيلي حبيقة الحصول على إجماع أعضاء القيادة.

 

أخذ حبيقة يحرف مسار القوات ومعها المجتمع المسيحي باتجاه الإتفاق مع سوريا وفق شروطها، على وقع الخلافات الدموية والإغتيال والترهيب والمصادرة. فأغلق حبيقة صحيفة "العمل" وشجع على قيام "حركة تصحيحية" في الأحرار وجرى استهداف أعضاء الجبهة اللبنانية في عوكر.وتوّج حبيقة اتصالاته مع دمشق بتوقيع الإتفاق الثلاثي مع وليد جنبلاط ونبيه بري بإشراف "الوالي" عبد الحليم خدام، وقد رفض المسيحيون بشدة هذا الاتفاق.

 

وبدعم من الرئيس الجميّل وكتائب المتن، قاد جعجع قواته في انتفاضة ثانية كانت دموية هذه المرة، أخرجت حبيقة من المنطقة الشرقية بعد أن كاد يقتل في معركة المجلس الحربي، وأوصلت جعجع الى قيادة القوات اللبنانية بالتعاون مع كريم بقرادوني الذي أصبح نائباً له.