لدى الكثيرين رغبة في أن يمارسوا الصلاة، خاصة تلك الصلاة الحقيقية التي تأخذ بمجامع القلب والعقل والجيد أيضاً. ونسمع أسئلة عديدة حول الصلاة: كيف أصلّي؟ ماذا يجب أن أعمل لكي أسيطر على الشرود والمخيلة؟ ما هي المواضيع التي يجب أن لأفكر بها في الصلاة؟ المكان؟ الزمان؟ ما هو الأفضل: الصلاة العقلية أو الصلاة الشفوية؟ الصلاة الفردية أو الصلاة الجماعية؟ نحن نطرح هنا أسلوب الصلاة التأملي الكرملي، الذي يجيب على الكثير من هذه الأسئلة، كما سنعرض الكثير من النصوص الأخرى التي يمكن أن تكون وسيلة مهمة تساعد الراغبين بالصلاة لكي ينموا في معرفة الله. الأسلوب الكرملي، يعني الذي اعتمده القديسون الكرمليون، ولكن هناك أساليب أخرى مهمة جداً وصالحة لمن يرغب بممارستها؛ المهم هو أن نعيش في حضرة الله. كتب هذا النص الأب جبرائل لمريم المجدلية في الخمسينات باللغة الايطالية، وعملنا على ترجمته الى العربية بمساعدة الأب شاهين ريشا، له الشكر. نأمل في أتجد فيه افادة لحياتك الروحية. للمراجعة والأسئلة: أكتب على هذا العنوان: ndcarmel@yahoo.com |
سؤال وجواب عن حياة التأمل
للأب جبرائيل لمريم المجدلية الكرملي
الحياة المسيحية هي حياة انسانية تُعاش وفقاً لتعاليم السيد المسيح، التي تجعلنا نتوخّى مجد الله في أعمالنا كلها، وذلك من خلال حبِّنا له، وتتميمِنا لشرائعه المقدّسة. فالمسيحي، إذاً، يعيش لأجل الله.
حياة التطلّع هي شكل من أشكال الحياة المسيحية، نعزم فيه على العيش ليس فقط لأجل الله، بل مع الله أيضاً. وهذه الطريقة في الحياة ليست مقصورةً على الرهبان وحسب، بل يمكن ايضاً أن يعيشها العلمانيون ايضاً. وهي ترتكز كلها على طلب إلفة الله، فتُكثر خلال النهار مما يسمّى الروحية. وهذه الممارسات هي بنوع خاص ممارسات في الصلاة تصحبها ممارسات في الإماتة؛ فالقديسة تريزا الآفيلية ملفانة الكنيسة في الحياة التطلعية، تصرّح قائلة: "التأمل والرفاهية لا تتوافقان".
يحتل التأمل في حياة التطلّع المركز الأول؛ وما حياة التطلّع، بالفعل، سوى حياة تأمل. لذا نجد رهبانيات التطلع تكرّس وقتا طويلاً للصلاة. كما أن الوصيّة الأساس، في قانون الكرمل وهو رهبانية تطلّعية – هي وصية التأمل المستمر: "ليلزم كل راهب قلايته، متفكراً ليلاً نهاراً في شريعة الرب، وساهراً في الصلاة". وعملاً بهذه الوصيّة، يكرّس رهبان الكرمل وقتاً طويلاً للصلاة: ويمارسون التأمل مرّتين في اليوم ويشتركون في القداس الإلهي، ويتلون الفرض الكنسي، ويواظبون على العيش في حضرة الله خلال النهار، ما عدا الممارسات التقوية الفردية.
الصلاة هي تبادل حديث مع الله نعبّر له فيها عن رغبات قلبنا والصلاة تكون شفوية وعقلية.
الصلاة الشفوية هي تلك التي نتلو فيها صيغة تعبّر عن رغباتنا؛ والمثل على ذلك صلاة "الأبانا" التي علّمنا إياها يسوع، والتي نرفع فيها الى الآب الطلبات السبع. ففي هذا النص نقصد تكريم الآب. وتجدر الإشارة الى أنه، حتى وإن لم نفكّر غالباً في معنى الكلمات بنوع خاص، غير أن هذا لا يمنع من أن تبقى صلاتنا صلاة، إذ يكفي أن يكون عقلنا متّجهاً نحو الرّب مع الرغبة في تكريمه. وبالرغبة نفسها في تكريم القديسين يمكننا ان نوجّه صلاتنا إليهم.
الصلاة العقلية هي محادثة الله "بواسطة القلب" وليس بصيغٍ جاهزة أو محفوظة غيباً، بل بطريقة عفوية وهذه نسمّيها من الآن فصاعداً: التأمل
حتى في هذا النوع من الصلاة يمكننا ان نعبّر لله عن رغبات قلبنا. غير أن النفس التطلّعية، وفقاً لتعليم القديسة تريزا الأفيلية، تفضّل أن تقول لله إنها تحبّه أو إنها، على الأقل، ترغب في أن تحبّه.
لأن الحبَّ هو جوهر حياة التطلّع. وعلى النفوس التطلّعية – بحسب القديسة تريزا – أن تصبح صديقةً وصديقة حميمة للربّ. فمن شأن الحبّ أن ينمّي الصداقة يدخل في علاقة حميمة. وعلاوة على ذلك، فإن القديسة تريزا تريد منّا أن نقتنع، بعكوفنا على التأمل، بأن الله يدعونا الى محبته ويجب أن نستجيب لدعوته.
لا يمكن أن نحبّ بدون أن نفكّر بعض الشيء في الموضوع الذي نحبّه. ولا بدّ أن نفكّر في الله إذا أردنا أن نحبه. غير أن هذا التفكّر في الله يمكن أن يختلف كثيراً وفقاً لأحوال صلاتنا؛ فيمكن أن يكون تفكيراً مستمراً بعض الشيء في حبّ الله لنا حينا، وانتباها بسيطا لعطف الله علينا ولصلاحه الأبوي حينا آخر. لذلك فإننا لا نتفكّر في أثناء التأمل إلاّ لكي نحبّ الله ولكي نغذّي فينا عواطف الحبّ نحوه. هذا ما جعل القديسة تريزا تقول: إن الصلاة "لا تقوم على كثرة التفكّر بل على وفرة الحب".
هناك نوعان من الحبّ: حب الحِسّ وحبّ الإرادة. فالحب الحسّي هو ذاك الشعور الذي يدفعنا عاطفيا نحو شخص ما ويجعلنا نشعر باللّذة والارتياح لحضوره أو لمجرّد ذكره.
أما حبّ الإرادة فهو أن "تريد الخير" لذاك الشخص طوعاً وبعزمٍ من الإرادة. وعندما يغمر هذا الحبّ مشاعر النفس كلها، عندئذ تنشأ الرغبة في أن تخصّ الشخص المحبوب وحده وأن تكرّس له طوعاً حياتها كلها.
إنه حب الإرادة؛ لأن الإرادة هي أغلى ما في الإنسان وأكثره لصوقاً بشخصيته. ففي، الإرادة تكمن حرّيتنا، وبها نقدّم لله ذواتنا. لذلك يطلب الله من الإنسان أن يقدّم له خاصةً، إرادته؛ وبهذه التقدمة يتم تكريس الإنسان التامّ لله.
أما الحبّ الحسّي فهو مكمِّلٌ لحب الإرادة وذو أهمية ثانوية جداً. كما أنه، من جهة أخرى، لا يتوقف علينا اختباره، بينما يعود الينا أن نحبّ بإرادتنا.
إننا نرغب فيه لحلاوته ولكونه يوفّر لنا العزاء والسلوان. ولمّا كنا ، في الحبّ الحسّي، نبحث عن ذاتنا ، بينما نفتّش في حبّ الارادة عن الله، لذلك فالله غالباً ما يزيل منّا الحبِّ الحسّي كي يجعلنا نسير بأكثر حزمٍ، معتمدين على الإرادة وحدها.
علينا، بلا شك، أن نحب الله بحبّ الارادة لأنه ابلغ أهميّة. أما إذا رافقه الحُبُّ الحسّي، فبدل من ان نفتش به عن راحتنا ولذتنا، نستفيد حينئذ منه كي ندعم ارادتنا في تقدمة ذاتنا لله. وأما اذا غاب الحبّ الحسّي، فنُكمل عند ذاك الشوطَ بالإرادة وحدها.
في بداية حياة التأمل تعترض النفوس العديدة صعوبات جمّة، كما أنها تشعر بالسأم وبالتشتّت. لذلك علينا أن ندرك أن ممارسة التأمل يجب تعلّمها. هذا ما جعل لاهوتيي الكرمل، ولتعليم هذه الممارسة، انكبّ معلّمو الكرمل على دراسة حياة التأمل، ووضعوا منهجهم الخاص في التأمل.
منهج التأمل هو دليل عملي للسير بسرعة في طريق التأمل. فهو يدلّنا إلى الأفعال المختلفة التي يجب القيام بها لممارسة التأمل ممارسة أفضل.
نعم! إننا نجد في الرهبانية الكرملية منهجاً متكاملاً للتأمل وذلك منذ بداية الإصلاح التريزيانيّ. ولقد تمّ عرضه في كتاب إرشاد المبتدئين بطبعتيه: الإسبانية سنة 1591، والإيطالية 1605.
لقد نشأ هذا المنهج إنطلاقاً من تعاليم القديسين تريزا الآفيلية ويوحنا الصليب. أما صيغته العمليّة النهائية فقد اتمّها تلامذتُهما. ونحن نعطي الآن لمحةً خاطفةً عن هذا المنهج كي ننتقل الى شرح أقسامه المختلفة لاحقاً.
اننا نقسم ممارسة التأمل الى ستة أو سبعة اقسام: التهيئة، القراءة، التفكّر (مع الحوار العاطفي) الشكر، التقدمة، الطلب.
هذا التقسيم لا يعقّد ممارسة التأمل. وبالفعل فإن القسمين الأولين، التهيئة والقراءة، ليسا، بَعدُ، تأملاً بالمعنى الحصريّ، بل إنهما بمثابة المدخل إليه. أما الأقسام الثلاثة الأخيرة، الشكر، التقدمة والطلب فهي اختيارية ومكمّلة، ويمكننا الاستغناء عنها. يقتصر في جوهره على التفكّر الذي تصحبه محادثة ودية مع الرب، أي الحوار العاطفي. في الواقع هذا المنهج هو خلاصة ما وضعه المعلّمون الروحيون في القرون الثلاثة السابقة، نذكر أقربهم الى القديسة تريزا الأب لويس دي غرانادا والقديس بطرس القنطري.
كي نفهم جيداً المنهج الكرملي، علينا أن نضعَ نصب أعيننا ما تقوله القديسة تريزا عنت التأمل؛ أي أن التأمل يقوم على ودّية مع الربّ، نحادثه فيها عن الحبّ، بشكل خاص، ملبّين دعوته لنا الى ان نحبه. لذلك فإن أقسام التأمل المختلفة من شأنها ان تقودنا بسهولة الى تلك المحادثة الودّية مع الله.
تفيدنا الهيئة في التقرّب الى الربّ، إذ لا يمكن مخاطبة أي شخص بطريقةٍ حميمة بدون التقرّب إليه. لذلك علينا أن نضع ذاتنا بحضور الله، وبإيمان حيّ، شأننا في ذلك شأن النفس المتواضعة التي تعرف أنها ابنةٌ لله.
إن من شأن القراءة أن توفِّر موضوعاً لمحادثتنا الوديّة مع الرّب، تلك المحادثة التي يمكنها ان تتغذّى باعتبار جميع أسرار إيماننا المقدس، ومختلف الهبات والنعم التي قبلناها من الرب: ففي كلِّ ذلك يظهر حبّ الله لنا. غير أنه، لمّا كان من غير الممكن أن نحادث الله كلّ مرّة عن هذه المواضيع مجتمعة، فالقراءة تمكّننا من اختيار الموضوع الذي نريد ان نهتمّ به حاضراً، فيتيسّر لنا من ثمّ القيام بالإعتبارات وفقاً لشروحات الكتاب وملاحظاته.
إن التفكّر أو أعمال الفكر الشخصي في عطيّة الله أو في السرّ الذي اخترناه في القراءة، يهدف إلى أمرين: الأول عقلي والآخر عاطفي. فالهدف العقلي هو فهمٌ أفضل لحبّ الله لنا كما يظهر في العطية أو السرّ الإلهييّن اللذين نتفكّر فيهما، فيزداد من ثمّ اقتناعنا بدعوة الحبّ التي يوجِّهها الله الى نفسنا. أما الهدف الثاني أو العاطفي فهو حثّ الإرادة على ممارسة الحبّ وعلى إظهاره، تلبيةً للدعوة الإلهية. فيبدو من ثم التفكّر بمثابة تهيئة مباشرة للمحادثة الودّية مع الربّ.
هذا الانتقال ليس من الضرورة أن يحصل في لحظة محدّدة أو معيّنة بطريقةٍ شبه حسابية بل يحدث تلقائياً وبطيقة عفويّة تماماً. فبينما تتوالى أفكارُنا في حضرة الله، ويتجلّى أمامنا مقدارُ حبّ الرب لنا، نشعر حينذاك باندفاع الى أن نقول له عبارات حبّية. لا بل غالباً ما يحدث أن الأفكار التي كانت تتوارد من ذاتنا الى ذاتنا، تتابع، ولوقتٍ قصير، فتتوجّه عباراتٍ نحو الرّب، مما يساعدنا على وعي حبّه وعياً أوضح. غير أن النفس تعزف اخيراً عن كل ما تفكّر كي تستسلم كلّياً الى عواطف الحب والتعبير عنها، وهكذا تنتقل من حيث لا تدري الى الحوار العاطفي وفي هذا الحوار العاطفي تقول النفس لله، وتكرّر بألف صيغة وطريقة أنها تحبّه وأنها تتوق الى مضاعفة حبّها له وتبرهن له عنه.
الحوار هو في غاية الأهمية، وهو القسم الأساس من التأمل. إنه يترجم على أفضل وجه فكرة القديسة تيز الأفيلية عن التأمل الذي يقوم على الحديث الودّي مع الربّ والذي فيه نجيب على حبّه لنا. لذلك يمكننا أن نُشغل بهذا الحديث وقتاً طويلاً من التأمل لا بل الساعة بأكملها.
ان هذه الأقسام أو الأفعال الثلاثة الأخيرة من التأمل، الشكر والتقدمة والطلب، من شأنها ان تطيل حديثنا الودّي مع الرب. كما ان تلك الأقسام ليست بالفعل سوى أفعال عاطفية أكثر تحديداً وهي بمثابة طرائق لإظهار حبّنا لله.
في "الشكر" نُظهر لله عرفانَ جميلنا المتواضع للنعم التي نلناها منه. وفي قسم "التقدمة"، نريد بدافعٍ من عرفاننا بجميله وحبنا له ان نقدّم نحن أيضاً للربّ بعض الشيء. أما في "الطلب" فنسأل عونه، وكلنا قناعة متواضعة بعوزنا وضعفنا، لكي ننجحَ في الثبات أمينين للمقاصد التي افصحنا له عنها في قسم "التقدمة". هذه الأفعال ليست، إذاً، في الحقيقة، سوى امتدادٍ للحوار العاطفي الذي نشأ عفوياً من التفكّر.
ان الترتيب المشار إليه سابقاً هو أقربها إلى المنطق العقلي. غير أننا يمكننا أن نتحرك بحريّة كبرى في التأمل، فنرتّب هذه الأقسام بطريقة اكثر عفويّة. بل يمكننا أن نعود الى القسم ذاته أكثر من مرة. ويصحّ الأمر كذلك في التفكّر والحوار العاطفي اللذين يمكنهما أن يتعاقبا مراراً فيما بينهما.
كلا! ان هذه الأفعال الأخيرة تبقى اختيارية فقط. وبالفعل، من استطاع ان يستغرق كفايةً في الحوار العاطفي، بدون اللجوء الى هذه الأقسام يمكنه الاستغناء عنها بدون أي ريب. غير أن هذه الأفعال المختلفة، في بداية حياة التأمل، تساعد دائماً على تركيز الانتباه. وفي هذه الحال، يجد بنا أن نلتجىء اليها ونستفيد منها.
إن معلّمي الكرمل يميّزون غالباً استعدادين: الإستعداد البعيد الذي يهيّىء من خلاله قوانا للإختلاء بمرونة في الله. والاستعداد القريب الذي بواسطته نتصل بالله بشكل مباشر لكي نبدأ معه الحوار الحميم.
من الضروري ألا تكون مأخوذة بالخلائق بشكل مُفرِط وان يُدرًَّب ميلها إلى الانشغال بالله. ولتوفير هذه الشروط هناك عنصران يُسهمان في الاستعداد البعيد: الاول سلبي لأننا به نُبعد أحد العوائق، والثاني إيجابي لأنه يؤدّي الى اكتساب إحدى الصفات.
إنه الهروب من تشتّت الروح ومن تعلّق القلب. فيجب ان يكون القلب حرّاً ليستطيع ان يمارس بسهولة محبّة الله؟ وهذا يتطلّب تجرّداً حازماً من الخلائق. فمن يريد أن يحبّ كثيراً عليه ان يحفظ لله توثبِّ حبّه ورقة عاطفته، فلا تتشتَّت في الأشخاص والاشياء التي يمكنها أن تأسر قلباً غير منضبط بأهون سبيل. أضف الى ذلك أننا لا نبلغ حرّية الروح بدون إماتة جادّة لحواسنا التي تكون مثل نوافذ مفتوحة على أمور الارض، ولذاكرتنا التي بالروح البشريّة أن تتجنَّب بنفسها الافكار غير المفيدة. وبالتالي يجب ان نضع رقيباً على قلبنا وعقلنا.
إنه التمرّس بتذكر حضور الله طالما كان ذلك بمقدورنا وضمن امكاناتنا. فهذه الممارسة المقدسة تجمع فكرنا وارادتنا في الله، فنحافظ على الاتصال المستمر بالله وسط مشاغل الحياة اليومية، كما تساعدنا، تلك الممارسة، على أن نتحدّث الى الله غالباً في أثناء النهار: فالأمانة لهذه الممارسة توفّر لنا سهولة التحدّث الى الله، والاتصال الحميم به: وهذا بالتحديد هو الاستعداد القريب.
إن اكثر ما يناسبنا هو الوقوف امام الله بثقة متواضعة. فالله هو ابونا، ويريد ان نحاوره كأبناء ضعفاء. ونوقظ في نفسنا الشعور بفقدنا بتذكر أخطائنا المتكررة التي تكشف بؤسنا. وبدل من أن نتقوقع لرؤية ضالتنا، نرتمي بين ذراعي يسوع الذي علّمنا: "بدونه لا يمكننا ان نفعل شيئاً، فنستحثّ الهمّة للإلتجاء اليه. لذلك تدعونا القديسة تريزا، في بداية التأمل الى فحص ضميرنا، وتلاوة فعل الندامة ثم الى البحث عن رفقة يسوع.
إنّ أيّ شكلٍ من أشكال استذكار حضور الله، هو مناسبٌ، شرط أن يُمارَس بهمّة وعمق. وهناك اسلوبين يُنصَح بهما للتأمل: أولاً العيش بحضور القربان المقدس، وثانياً الاختلاء الداخلي، والتوجّه الى الأقانيم الثلاثة الإلهية الساكنين في النفس بواسطة النعمة، ويهبون لها ذاتهم لكي يُعرَفوا ويُحبّوا. ولكي يبدأ، لاحقاً الحوار مع "الله الحاضر"، نتذكر الموضوع الذي تتناوله القراءة.
من المفضل أن يكون ذلك قبل بداية التأمّل، وإلاّ يُستحسن أن تقوم بها عند البداية وفي بعض الجماعات الرهبانية، وتُقام القراءة بصوتٍ عالٍ عند بداية فترة التأمل الجماعي.
انها تهدف الى توفير مادة التأمل للّذين ينقصهم ذلك. ولكن ليس إلزامياً إعتماد الموضوع الذي تقدّمه القراءة. فعادةً، يذهب بعضهم الى التأمّل بموضوع يكونوا قد أعدّوه سَلَفاً بالقراءة على انفراد. وإذا وُجد أن موضوع القراءة في الجماعة يلفت انتباهنا أكثر من الموضوع المقدّس، فيمكن استبداله بكامل الحرية.
هذا هو الهدف الأول، وهذا ما يميّزها عن إعداد موضوع "القراءة الروحية" التي تهدف الى أكثر من ذلك، أي إلى التثقيف في الحياة الروحية. أما القراءة التي نتكلّم عليها فهي تهدف الى اعطائنا بشكل مباشر حقيقةً نسبر أغوارها بواسطة التفكير لكي تزيدنا قناعة في حب الله لنا. أما بالنسبة الى الذي لا يمارس التفكر وقد وصلوا الى ما تصفه القديسة تريزا بتأمل الاختلاء ()، أو الى درجة أرفع أيضاً، فلا تعود عليه بالفائدة القراءة الروحية من اجل اختيار الموضوع، بل تساعده على استجماع الروح بلطف وتهيئتها لأن تتذوّق في التأمل الاستراحة في الله.
من أجل ايجاد موضوع التفكر، هناك كتب تحوي على نصوص مختارة لهذا الغرض، كما وهناك كتب روحية أخرى تشرح مظاهر حبّ الله على أنواعها. ومن المفضّل استخدام كتب روحية عرفناها قبلاً.
وإذا كان المطلوب أن نقرأ فقط لاستجماع الروح، فيصلح أي كتاب يوقظ حبّاً حاراً لله. إن كتابات القديسين تدخل في عداد هذه الكتابات.
فاختيار الكتب يتأثر إذاً مباشرة بهدف القراءة؛ كما ان ثقافة الشخص ومستوى اختباره الروحي، يؤثران جداً. أما الكتب ذات المستوى الفكري والروحي الرفيع، فيصعب فهمها وقد تسبب الجفاف بدون شك.
حتى هذه الكتب لا يمكن استثناؤها، لأن كثيرين يُثير اهتمامهم مثال القديسين الذين عاشوا التعليم الروحي اكثر من الشروحات النظرية. لكن يجب تجنّب القراءة بدافع الفضول، أو إطالتها بدون نفع. لذلك من غير المناسب أن نقرأ سِيَراً جديدة لإعداد التفكّر، لأن الاكتفاء إن أمكن، بخلاصة عن شخصية كناقد درسناها سابقاً.
بما أن الهدف من القراءة هو إيجاد موضوع الحوار مع الربّ، فمن الضروري أن نقرأ بانتباه. لذلك يجب التمرّس على القراءة البطيئة، وإلا قد تفوتنا الموضوعات المناسبة. كذلك يجب التمرّس على قراءة "بتقوى وخشوع"، مما يساعد على تمييز ما ينفع النفس، وهذا يجعلنا أكثر انتباها وتأثّراً بالأفكار الحسنة. هذا ما يسهّل علينا تأمين الموضوعات المثمرة مسبقاً وتحضير المشاعر التي نريد ان نعبّر عنها، والمقاصد التي نريد عيشها لاحقا.
وبما ان هدف القراءة هو اسعافنا حسب احتياجاتنا، فلا ضرورة ان نتقيّد كثيراً بها أبعد من هذه الحاجة.
كما أن القراءة في الجماعة، من المحبّب أن تكون قصيرةً لكي لا تسبب الإزعاج لمن لا يستعملونها وهم كثيرون.
هذا أمرٌ ممكن، ويمكن النصحُ به في احوال خاصة، فأمنا القديسة تريزا لم تكن تذهب الى التأمّل بدون كتابٍ يصحبها. وفي بعض الأحيان نتشتّت كثيراً بحيث إننا لا نتمكّن من استجماع أفكارنا وتوجيهها نحو الرّب. إلاّ إذا غذّينا عقلنا بأفكارٍ مفيدة من خلال القراءة وحتى في أثناء التفكّر والمكوث مع الرّب إذا اعاقنا بعض التعب عن تركيز الانتباه، فمن المناسب غالباً، أن نضع أمام عيوننا موضوع التفكّر الذي اخترناه فيتلقّى انتباهنا بعض العون الخارجي.
وليحذر المتأمل من تحويل التأمل الى قراءة بنوع حصري, بل يجب ان تبقى على الأقل قراءة تأمّلية، نوقفها لنفسح في المجال للعواطف والمقاصد. عندئذ تتحوّل القراءة نفسها الى أداةٍ لحواسنا مع الله.