المغامرة الروحية

في مجال العمل الكشفي

إستكشاف المغامرة والتقدم الروحي.

 

 تأليف: كيفن لانيجان

المرشد الروحي للكشاف الكاثوليكي الإيرلندي

  

ترجمة : هشام ضباعين

المرشد الروحي للكشاف الكاثوليكي الفلسطيني


 تحضير الأب ريمون عبدو الكرملي

 

  الجزء الأول - الجزء الثاني 

 

مقدمة

العمل الكشفي مغامرة استحوذت على عقول الملايين من الشباب منذ تأسيسه قبل ثمانين سنة ونيف. وقد ساهم البُعد الروحي المُتمثل في "الوعد والقانون" مساهمة حثيثة في تقدم الشباب على جميع الأصعدة. لأن القادة الكشفيين كانوا يميلون دوما الى الاعتقاد بأن الموضوع الروحي شأن ديني يقتصر على المرشد الروحي ولا علاقة لهم به البتة.

استكشاف معنى المغامرة ومغزاها من جهة وادراك معنى النمو الروحي من جهة أخرى والربط بين هذا وذاك في مجال العمل الكشفي، هذا، أخي القارىء، ما يرمي اليه الكتاب الذي بين يديك.

كلي أمل اذا أن يفتح هذا الكتاب المجال أمام القادة الكشفيين للخوض في ساحة التقدم الروحي وأن يدخل التقدم الروحي الى صميم المغامرة الكشفية.

 

 

1- إستكشاف المغامرة غريزة خاصة بالإنسان

تُرى ما الذي يُحرّك ذلك الرجل ويدفعه اإلى ركوب البحر وأهواله وقطع المحيطات بمفرده، أو يدفع هؤلاء الرواد إلى ارتياد الفضاء، او ذلك الطفل إلى بناء برج من مُكعبات، أو ذلك العالم إلى الإنهماك في إكتشافٍ جديد، أو ذلك المقامر إلى المخاطرة بماله أملاً في الحصول على الجائزة الكبرى؟!!...إنها إرادةُ التحدي وغريزةُ المجازفة التي ينفرد بها الانسان دونَ غيره من المخلوقات.

غريزة المجازفة هذه هي التي تفسر سلوكَ الانسان المميز، وهي إحدى القوى الدافعة لأعماله، موازيةً غريزة البقاء في حِدتها وأهميتها.

وكما أن حاجة تحقيق الذات تُشكل جزءاً من طبيعة الحياة نفسها، كذلك حاجة المجازفة تُشكل عنصرا هاماً من عناصر حياة الإنسان الخاصة. إنه الظمأ للمطلق، الذي هو في نهاية المطاف تعبير عن جوع الإنسان لله وظمأه إليه.

كل مرحلة من مراحل العمر في حد ذاتها تشكل مغامرة. بل كل حياة تشكل مغامرة. وكل مغامرة لها خصوصيتها لا تشاركها فيها أي مغامرة أخرى. لكل مرحلة من مراحل العمر مغامرته الخاصة. في مرحلة الطفولة هي الإكتشاف التدريجي للعالم المحيط بنا والإستعداد للحياة، والإنبهار بسحر المستقبل الغامض. عندما نلتقي طفلا ما نبادره عادة بهذا السؤال: "ماذا تريد أن تكون عندما تصبح كبيراً؟" وفي مرحلة المراهقة هي الإنتقاء والإعجاب: الإعجاب بكاتب مفضل او بفنان معين؛ إختيار صديق أو حبيب، إختيار مهنة وتحديد هدف للحياة تُضحي في سبيله بالطموحات الأخرى. وفي مرحلة النضوج هي مغامرة بناء البيت والمهنة، وتربية الأولاد، والتصدي للمشاكل الزوجية، والترقي في الوظيفة واحتلال المكانة المناسبة في الحياة الإجتماعية والثقافية والروحية. مرحلة التقاعد هي الأخرى مغامرة بحد ذاتها، مغامرة من نوع جديد: الشعور البديهي بأن الحياة كلها مقامرة وأن أي خطوة أو خيار فيها سيقرر ما تبقى من اللعبة ويؤثر حتما على النتيجة.

 

 

2- معنى المغامرة

ما هو يا تُرى المقصود من غزيرة المجازفة هذه العاتية الكامنة في كل واحد منا؟ هذه الغريزة التي تبعث فينا الهمة والنشاط وحب العمل ندما نُطلِق لها العَنان وتُعذبنا عندما نلجمها ونكبتها.

عندما يتعهد إنسان ما بالقيام بمجازفة، فإنه يختبر شعوراً بالتسامي والتحليق. إختبار شعور تحقيق الذات هذا يشكل إلى حد ما إختبار التشبه بالله، سواء كان الإنسان مؤمنا ام غير مؤمن. هذا هو البعد الديني لكل مجازفة يقوم بها الإنسان إذ يشعر بتساميه على حياته العادية.

إن الكلمة المستعملة لوصف حالة الإنسان الذهنية عندما يقوم بمجازفة ما، هي "الحماس" وبالإنجليزية Enthusisam والتي تعني حرفيا "الإحساس بالله في الداخل". وهذا ينطبق على المجازفة عندما تكون من أجل الله وعلى المجازفة عندما تكون موجهة ضده على حد سواء لأن المخاطرة من أجل الله أو ضده يعني أننا نأخذه، أي الله، على محمل الجد.

 

المجازف الأعظم

الله هو المجازف الأعظم . هذا ما نعنيه عندما ندعوه ب "الخالق". جميعنا نشعر بأن إيداع أمر ما يشكل مجازفة بحد ذاته. فكم بالحري خلق العالم. وقد خلق الله الإنسان وزيّنه بروح مغامرة تذهب إلى حد مقاومته وتشويش نظام الخليقة عليه.

وأخذ الرب الإله آدم ووضعه جنة عدن ليعملها ويحفظها (تكوين 15:2)

تمثلت مجازفة الله هذه في تقلبات شعبه عبر التاريخ، في السلم وفي الحرب، وفي الإنتصارات وفي الإنكسارات، في النجاح وفي الفشل، في الوفرة وفي العوز. وقد بلغت ذروتها عندما تجسد في شخص يسوع.

بالنسبة لمعاصريه، كان يسوع مغامراً بكل معنى الكلمة. وقد امتلأ تلاميذه بحماس إلى حد أنهم تركوا كل شيء وتبعوه ليشاطروه مغامرته الفريدة التي تُوجت بتغيير وجهة التاريخ وتغيير حياة كل إنسان.

فلأن الإنسان خُلق على صورة الله ومثاله، صار هو الآخر يتوق بكل جوارحه إلى خوض غمار كل المجازفات التي يوفرها له الله، لا المغامرات ذات الطابع الديني وحسب بل تلك التي في ميدان العلم واستكشاف الأرض والفضاء والفن والفلسفة والرياضة أيضا. إنها المغامرة الإلهية التي تستنفذ في كل مغامرة بشرية.

الكتاب المقدس هو كتاب المغامرات ويجب أن يُفسر على هذا النحو. ليس مغامرة العالم والبشرية ككل، بل مغامرة كل رجل وامرأة بشكل فردي، حينما يضع الله يده عليهم ويدعوهم ويرسلهم للعمل.

ففي الكتاب المقدس نجد معنى المغامرة الصحيح، لأنه، أي الكتاب المقدس يكشف لنا منذ أول صفحة فيه حتى الصفحة الأخيرة الخطر الذي يمكن ان تتعرض له أعمالنا وقراراتنا والتزاماتنا.

 

خصائص المجازفة

1. المجازفة شكل من أشكال التعبير عن الذات. إنها حاجة ملحة من حاجات الطبيعة. فنحن عندما نعبّر عن ذاتنا في العمل والإبداع، إنما نحقق ذاتنا كأشخاص ونستثمر الوزنات التي حبانا بها الله. كل واحد يلعب بالأوراق التي بين يديه، وهذه هي مجازفته في الحياة. فكم هو مهم بالنسبة للطفل ولعملية نموه أن يشعر بتقدير الأهل له وافتخارهم به على نجاحه في تحقيق ذاته.

إن الأمراض الخاصة بالإنسان لها دائما علاقة بفشله في تحقيق ذاته.

2. الإبتكار والإبداع ميزة أخرى تتميز بها المجازفة. انظروا كم هي مبتكرة قدرة الله الخلاقة. فكل اكتشاف علمي جديد يكشف لنا عن ابتكار اصيل من ابتكاراته تعالى. فهو على سبيل المثال ابتكر الريش لتتمكن الطيور من الطيران في حين لا يحتاج الوطواط   إلى ذلك الريش ليطير. كما أنه خلق البرغوث القفاز والحية الزاحفة والسمكة السابحة. أنظروا إلى طرق تكاثر النباتات المتعددة. نستطيع القول ان الله لا يكرر نفسه أبداً. كذلك حبا الله كل إنسان بمخيلة مبدعة. الكتاب المقدس نفسه سجل بعض حيل يعقوب التي خدع بها أخاه عيسو والتي تطلبت خيالا واسعا.

3.  الوضوح والعزم: وضوح الهدف الذي نسعى إليه والتصميم على تحقيق المخطط المرسوم بالرغم مما يعيق الطريق من عراقيل، هذه ميزة ثالثة من مزايا المغامرة.

4.   المحبة: أي عطاء الذات وتكريسها والسعي وراء تحقيق الهدف مهما كلف الثمن، هي الأخرى إحدى خصائص المجازفة.

قد يخطأ الناس في رسم الأهداف التي يسعون إليها؛ قد يكون الدافع وراء مجازفتهم الحقد أو رغبة الإنتقام؛ قد يخطئون في إنتقاء الوسائل لتحقيق تلك الهداف. فهناك مجازفات تتسم بالغرور والعنف والخداع والتدمير والبلاهة. إلا ان القوة الدافعة لها، سواء كانت صالحة أم شريرة، هي هبة من الله وعلامة محبة. فنحن نبدأ بفهم الناس فقط عندما ندرك أن، في أسوأ أخطائهم، ما يحركهم هو الرغبة في التسامي وبذل الذات في سبيل ما هو أعظم من ذواتهم.

5.  أخيرا تتضمن المغامرة دائما بالضرورة عنصر المخاطرة. لأن نتيجتها يمكن أن تكون النجاح أو الفشل. والفشل قد يكون مؤلما جدا، إلا أنه يمكن أن يكون مجديا ومثمرا. يعبر عن ذلك القديس بولس عندما يقول: "نحن نعلم أن الله يعمل في كل أمر لخير الذين يحبونه" (رومية 8: 28). "في كل أمر" أي في نجاحنا وفي فشلنا. الله يخاطبنا في النجاح ويخاطبنا في الفشل، يخاطبنا في الصحة وفي المرض. المهم أن نصغي إليه، وأن نمسك بيده وأن نقبل بكل جرأة المجازفة التي يدعونا إليها مع كل ما تتضمنه من مخاطر. فما الحياة سوى مجازفة يدير دفتها الله نفسه.

 

 

3- أية مجازفة؟

النوع أم الكم

نحن نعيش في عالم قيم أدركنا ذلك أم لا، شئنا ذلك أم أبينا. فالدافع الداخلي نحو المطلق الذي يستحثنا باستمرار إنما هو تعبير عما نصبو إليه من القيام بأعمال ذات قيمة. لكن بما أن الانسان يفشل في هذا المضمار، فإنه قد يحاول أن يعوضها بأعمال أكبر من حيث الكم, على سبيل المثال، إذا أردت أن تقدم لصديق هدية من نوع خاص وفشلت في الحصول عليها، قد تستعيض عنها بهدية غالية الثمن. على هذا النحو إذا لم تعثر على المهنة التي من شأنها أن تحول حياتك إلى مغامرة شيقة، فإنك قد تستبدلها بمهنة مجزية أكثر من حيث الراتب.

 

ما هو جدير بالجهد

"ماذا تريد أن تحقق بالأكثر في العالم؟". بعد صمت قليل جاء هذا الجواب: "أريد أن اقوم بعمل مجد". فكم من مرة كلم أحدنا الآخر عن "عمل ما يستحق عمله". فمن الواضح أن جدوى العمل يجب أن يظهر بالنسبة لمن يقبله كأمر موضوعي ذا قيمة ذاتية، لا علاقة له بالشخص لكنه ثابت إلى حد أنه يستحق أن يلزم الانسان نفسه من أجله وليس كهدف إعتباطي. إنه مستقل لكن شخصي. فما هو مهم بالنسبة لي ليس بالضرورة مهما بالنسبة لغيري والعكس صحيح أيضاً.

عندما يتساءل الإنسان عن قيمة عمله إنما يدخل في حوار روحي مع نفسه. فكل إنسان يبحث في داخل نفسه عما هو جدير بالنسبة له، إنما يسعى وراء مستوى أسمى من مستواه العادي حتى ولو لم يعزي ذلك إلى الله.

هذا البحث المستمر عن القيم بالنسبة للإنسان هو بمثابة مجازفة داخلية تسبق مجازفة حياته الخارجية وتحددها.

 

مجازفة بسيطة ومجازفة عظيمة

كل مجازفة صغيرة لا قيمة لها إلا إذا اندرجت في إطار مجازفة العالم الكبيرة، مجازفة الله في عملية الخلق. فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا باستمرار: "هل تنسجم مجازفتي الصغيرة مع مجازفة الله العظيمة؟"

إن ما يجعل الكتاب المقدس كتابا واقعيا هو عدم تطرقه لنظريات عامة إنه يروي قصصا واقعية. لهذا السبب تعمل مجازفة الله الهائلة باستمرار في كل مجازفة فردية، وفي كل مرحلة من مراحلها حتى البسيطة منها. فما يميز الكتاب المقدس أنه لا يعتبر الحوادث العظيمة فقط، كالخلق والطوفان والخروج من مصير وقيامة يسوع المسيح، كعلامات خارقة من الله بل أتفه التفاصيل أيضا كمراقبة إرميا للفخاري أثناء عمله (إرميا 18 : 1 12 ) ومراقبة يسوع للزارع الذي يبذر زرعه (لوقا 8: 85) ومجيء الرعاة إلى مغارة بيت لحم (لوقا 2: 12). فكما نرى، الله يهتم بكل أمر وبكل عمل. أنظروا إلى دور العمال في الكتاب المقدس: الصيادون، التجار، المزارعون، الصاغة. يسوع نفسه عمل بيديه في منشرة يوسف. إذا ليس هم الملوك والأنبياء والرسل وحدهم الذين نفذوا إرادة الله بل الجميع حتى الزانية راحاب نفسها التي كان لها دور في تاريخ الخلاص (هوشع 6: 17) وخادمة زوجة نعمان السوري (2 ملوك 5: 2) وجابي الضرائب (لوقا 19: 2).

 

موقف المجازفة

من هذا المنظور نستطيع أن نرى حياتنا كلها وأعمالنا وأفكارنا وأحاسيسنا وخبراتنا السارة والتعيسة على أنها مجازفة تستحق القيام بها. وبالتالي يجوز لنا أن نضع فيها جل إهتمامنا. وهذا يعني عدم استثناء الله من أي عمل من أعمالنا بل بالعكس أن نحاول الحكم على الأشياء والناس والمشاكل من وجهة نظره هو، كما يراها، حتى نستطيع أن نتصرف بموجب إرادته تعالى. لا أقول بأن هذا أمر سهل وأنه لا ينطوي على مخاطر الوقوع في الخطأ، لكن هذا هو ما يجعل المجازفة عظيمة.

 

 

4- مجازفة العمل الكشفي

مهما حاولنا فإنه يستحيل علينا الإفراط في تنمية روح المغامرة لدى الأطفال. وقد فهم "بادن باول" هذا الأمر جيداً عندما جعل من إغراء المغامرة أهم دافع تربوي في العمل الكشفي. وبالفعل  فتن بادن باول الأطفال لأنه سرد قصة حياته وكأنها مغامرة قام فيها تارة بدور المحارب وأخرى بدور الجاسوس وثالثة بدور رجل التحريات. فالكشاف لا يقوم على سماع قصص المغامرات فقط بل يشترك فيها أيضا. لهذا السبب حمل غلاف العدد الأول من مجلة الكشاف صورة ولد يختبىء وراء صخرة ويراقب مهربين نزلوا من إحدى المراكب الغامضة.

الإنطباع واضح وهو ان الكشاف لا يكتفي بقراءة قصص المغامرات بل يعيشها أيضاً. لهذا السبب كانت الحركة الكشفية بالنسبة للكثيرين من الأولاد الفقراء الذين لا مستقبل مضمون لهم، مغامرة وأية مغامرة وضمانة بأن حياتهم يمكن ان يكون لها هدف أنها جديرة بالعيش.

 

المغامرة الروحية في العمل الكشفي

تهدف الروح الكشفية إلى تربية الإنسان بكليته من الناحية الثقافية والذهنية والبدنية والإجتماعية والروحية وتعمل على المساهمة في تطوير الشاب في جميع مناحي الحياة. وتتبنى رؤية حياة يشكل فيها العنصر الروحي جزءا من المغامرة الكشفية لا غنى عنه. الشعور بكائن قوي، دائم الحضور، بالمطلق، بالسامي أمر خاص بالإنسان. إنه بمثابة خبرة وجزء من المغامرة. الإكتراث بالبعد الروحي أمر مهم بالنسبة للكائن البشري. الروح الكشفية تأخذ بعين الإعتبار البحث عن هذا البعد واستكشافه كعنصر اساسي من عناصر رؤيتها للحركة الكشفية.

 

المداخل الروحية

تتوفر عدة وسائل للمساهمة في تقدم الشخص الروحي. فالإيمان بالله في أي دين كان، سواء المسيحي أم اليهودي أم الإسلامي أم الهندوسي، يمكن ان ينتقل بطرق مختلفة:

لقاء الإيمان يمكن أن يكون:

مجرد عملية نقل وتوريث بعض الممارسات والمعلومات الدينية، كالوصايا العشر والصلاة الربية...

ممارسة عملية لبعض الأمور الدينية كحضور القداس وممارسة الأسرار ...أي اشتراك ما في الطقوس الدينية.

إعتماد أسلوب حياة تتأصل فيها قيم إيمانية بشكل عميق.

التعبير عن سر الإيمان بمصطلحات نمطية (كالمجاهرة بالإيمان، والمجاهرة بعقيدة ما).

كذلك الوسائط التي يلجأ إليها الإنسان لتسهيل عملية لقاء الإيمان هذه متنوعة، كالمدرسة، والعائلة، والرعية.

هناك المدرسة أولا (التربية الدينية والعمل الراعوي في المدرسة).

هناك الرعية (الإستعداد للتثبيت، إلخ...)

وهناك العائلة (حوار عرضي، صلاة عرضية، إلخ...)

هذه الوسائط كلها لها طابعها وشكلها الخاص. وضع الإنسان في العائلة سيكون مريحا أكثر من وضعه في المدرسة. المدرسة تهدف بالدرجة الأولى إلى تنمية المدارك والمعرفة...

إلا أن هذه الطرق جميعها في كل الأحوال، نافعة ومهمة بحسب طابعها. مع أنه لا يمكن مقارنة بعضها ببعض لأن كل طريقة تجيز لقاء الإيمان من منظورها الخاص.

 

 

5- الأسلوب الكشفي

إن العمل الكشفي يؤازر العائلة والرعية والمدرسة ويقدر دور كل واحدة منها ومع ذلك فإن له أسلوبه الخاص الذي يختلف كليا عن الأساليب الأخرى لكنه لا يقل اهمية عنها في توجهه المختلف. إنه أسلوب يجب أن يلقى التقدير الكامل حتى من جانب هؤلاء الذين يرون أن الأساليب الأخرى أنجع وأجدى. إنه أسلوب يجيز، بطريقته الخاصة، حدوث مواجهة مع "الإيمان".

أضف إلى ذلك إلى أن هذا الأسلوب يبدو أكثر مناسبة وملائمة للكشاف لأنه أقرب إلى واقع الشبيبة: كيف يعيشون المشاكل ويواجهونها، كيف ينشدون إعتبار الناس لهم، كيف يريدون إستخلاص العبر من تجاربهم الشخصية ومن تبادل خبراتهم مع الغير. فمن خلال الأشياء التي تهمهم فعلا ومن خلال ما يدور في خلدهم من تساؤلات، يتوخى العمل الكشفي دعوة الشباب إلى التحلي بالحساسية تجاه ما يتعدى شغلهم اليومي وإلى إثارة إهتمامهم بمغامرة الإنطلاق في البحث عن معنى حياتهم وسر وجودهم.

وهذا يعني العمل مع الشخص بكليته، لا من حيث المفهوم الديني وحسب بل الشخص بكل ما يشغل فكره ويثير إهتمامه ويقلق باله. ويعني أيضا مرافقة الناس في الحياة لكن لا كمن هو الدليل دائما والمصلح. إنه أسلوب التأثير، أسلوب التطور الروحي.

إن الأسلوب الكشفي يناسب تماماً التطور الروحي. فمبادىء العمل الكشفي الأساسية كالإدارة الذاتية والإبداع والخدمة والإلتزام وعمل الفريق تناسب جداً هذا التوجه. بيئتنا الطبيعية نفسها تناسب هذا التوجه، بمعنى أن حياتنا كلها مهمة وأنه لا يلزم أن نتحدث عن الله باستمرار لأن عدم التطرق إليه تعالى لا يعني اننا خسرنا إنسانيتنا.

من جهة أخرى ذلك يعني أنه ينبغي علينا التوقف من حين إلى آخر لمواجهة أنفسنا بتقاليدنا الدينية الخاصة.

فلكي نحدد موقع خبراتنا ونضعها ضمن إطار معين، نحتاج إلى علامات قياس المسافة. الروحانية تنتمي إلى إطار مرجعي وتحتاج إلى علامة قياس المسافة، إلى مرجع (البوذية، الإسلام...). أما لقاء الكشاف بالمغامرة المسيحية فله أهمية خاصة. فلقاء الأعضاء بمغامرة يسوع الناصري ومبادئه يشكل علامة مرجعية بارزة. لكننا لا نود فرض هذا الأمر عليهم بل جل ما نريده هو حثهم على إتخاذ قرار ومن خلال تعاملنا مع إهتماماتهم واحتياجاتهم العميقة، نريد أن نساعدهم على خلق رؤية حياتية.

وفي هذا التوجّه هناك أوقات فيها ينبغي أن ندعو الأشياء باسمها. أوقات فيها يجب أن نأخذ بعين الإعتبار الأمور الدينية في أضيق معناها التي يمكن ان تكون لقاءا عميقا بالقربان المقدس او مطالعة الكتاب المقدس، او غير ذلك...

بلغة الكتاب المقدس، نريد أن ننشغل بالسؤال الذي طرحه يسوع على تلاميذه: "من أنا في رأيكم؟" أو بكلمات أخرى "هلا تركتم طريقة حياتي تؤثر فيكم؟"

التطور الروحي طريقة بطيئة، طريق فيها إحترام كامل للفرد. طريقة ترحب بهؤلاء الذين لهم آراء مغايرة. كل واحد ينبغي أن يتمكن من التعبير عن رأيه وأن يحترم رأي الآخر. وهذا لا يعني أننا نتنازل عن هويتنا. قد يعرف الآخرون أن أشياء محددة تهمني بشكل خاص وأني أريد مشاطرتهم إياها وأن أؤثر فيهم. إنه اسلوب قائم دائما أبدا.

 

 

6- ما هو التقدم الروحي؟

وهمي لكن في متناول اليد

يشعر القادة بأن مفهوم التقدم الروحي أمر وهمي، شخصي جدا في معناه، ويشكل تحديا، أسهل التحامق عنه من مواجهته في مجال عملهم مع الشبيبة. هناك إحساس بأن مفهوم التقدم الروحي وليس التعبير نفسه أمر قريب إلى أذهان القادة بل إلى أذهان كل الشبيبة الذين يقرون بأن هناك ما وراء الحياة أموراً أهم من تلك اليومية المحسوسة.

 

جوانب مركزية

للتقدم الروحي ثلاث جوانب هامة يمكن تشخيصها كما يلي: تنامي الحس بالإعجاب، الإهتمام بالناس، وإدراك مفهوم "الله".

من خلال التفكير في مجال التقدم الروحي في إحدى الحلقات الدراسية للقادة برزت النقاط المشتركة التالية:

الجميع يواجهون في هذا المجال تجارب فريدة، وأحيانا مأساوية. التقدم الروحي يقوم على إستغلال الزمان والمكان للتفكير في تلك التجارب.

عندما نهتم بتجاربنا الروحية الخاصة، لا نجد أدوات مساعدة ذات فائدة. كقادة نحن عاجزون دائما عن مد يد العون للشبيبة.

الروحانية صراع يهدف إلى إعطاء مغزى للحياة من خلال الغوص في أعماق الحقيقة، بدلا من التوقف عند ظاهر الأمور.

هناك شك بأن الناس لا يدركون وجود العنصر الروحي في الحياة اليومية وتأثيره على ظروف الحياة العادية. على سبيل المثال معظم الناس يتأملون، بينما يستحمون، او يركبون الحافلة، أو يفعلون اي شيء آخر...

الروحانية هي الإبتعاد عما يظنه الناس بأنه تدين. الأوقات العصيبة والسعيدة على حد سواء تدخل في مداها.

التقدم الروحي هو العملية التي بواسطتها نتعلم كيف نتعامل ونكتشف مكاننا في العالم. يحدث ذلك عندما نواجه أزمات الحياة: كالولادة والموت والبطالة والإعاقة والعلاقات الشخصية تحت مراقبة شخص يهتم بنا.

التقدم الروحي يختلف عن الإنتماء الديني والتربية الدينية، دون إنكار الحكمة وبعد النظر الذي في الديانات المختلفة والمساهمة التي يمكن ان يقدمها الدين في مضمار التقدم الروحي. لكن بالمقابل لا يمكن تجاهل الحقائق الكثيرة التي شوهت ومورست بشكل خاطىء من قبل أناس إستغلوا الدين في أوقات مختلفة وأماكن مختلفة من العالم.

وإنه لمن صميم الحركة الكشفية أن يتمكن الشباب من إتخاذ قرارات حاسمة في حياتهم بتبصر وحكمة ونزاهة، وأن يواجهوا مسائل الحياة المصيرية: "من أنا؟ ما هي الغاية من وجودي؟ هل أنا على ما يرام؟".

 

طرح الأسئلة

لغاية التسهيل على القادة للتعبير عن مفهومهم لعبارة "التقدم الروحي" ولتحديد الطريقة التي بها يؤثر التقدم الروحي على عملهم، أثبتت الأسئلة التالية جدواها:

ما هي الأمور والتجارب الحياتية التي بالأكثر تثير الشباب الذين تعرفهم؟ ما هو الذي يسبب لديهم الإثارة والمتعة والغضب والإنفعال والإحباط والقنوط؟

ما هي إحتياجاتهم الأكثر إلحاحاً؟

كيف يواجهون التجارب الحياتية كالمشاكل العائلية والموت والهجرة والإعاقة والمرض؟

ما الذي يثير إعجابهم أو فزعهم وما هي لحظات "التأوه" تشكيا أو إعجاباً عندهم؟

هل يصرحون بكلامهم عن إحتمال وجود قدرة تفوق تفكيرهم وفهمهم البشريين؟

ما هي فكرتهم عن تلك القدرة، سواء إستخدموا كلمة "الله" أم لم يستخدموها؟

ما هو في رأيك الأمر الذي يحدث عندهم تغييرا وما هو الذي يحفز فيهم النضوج والإبداع والثقة بالنفس والإهتمام بالغير؟

ماذا تعني تجارب الحياة اليومية العادية لبرامجك الكشفية بالنسبة للشبيبة من الناحية العملية وكيف تؤثر على تطورهم؟

ما الذي من شأنه أن يطور نوعية علاقاتك بالشبيبة؟

ما الذي يرضيك بالأكثر في مجال العمل الكشفي؟ وما الذي يحبطك ويشعرك بعجزك؟

ما هي الدوافع التي تحملك على العمل مع الشبيبة؟

هل نجح الشبان الذي لك صلة بهم على أن تنمو أنت بطريقة من الطرق؟ إذا كان الأمر كذلك، بماذا تمثلت مساعدتهم لك وبماذا تمثل تطورك كنتيجة لذلك؟

بالنظر إلى ال 25 سنة الأولى من حياتك، ما الذي ساهم في تطورك؟

ما هي المصادر التي تنهل منها بهذا الخصوص في تعاملك مع الشبيبة؟

ماذا تعني لك شخصيا عبارة "التقدم الروحي"؟

ما هو في رأيك الأمر الذي يعيق التقدم الروحي (بحسب تعريفك الخاص) عند معارفك من الشبيبة؟ وما هو في رأيك الأمر الذي يمكن أن يساعد ذلك التقدم؟

هذه هي نوعية الأسئلة التي تنطوي عليها كل محاولة لتمكين الشبيبة من التقدم روحيا. ومن وراءها يكمن الإفتراض : "بأنك لا تستطيع أن تنتقل إلى حيث أنت غير موجود، إلا إذا انطلقت من حيث أنت موجود".

إن "عبارة التقدم الروحي" نفسها قد أربكت بعض الناس. والبعض الآخر تعثر بها وأدركوا عجزهم عن تعريفها بطريقة معينة بحيث تكون أمراً منطقيا بالنسبة إليهم كأفراد.

أما بالنسبة لأغلبية من تم استجوابهم فقد شكل السؤال: ما هو مفهومك لعبارة "التقدم الروحي" حافزا على تبني أفكار كثية ومتعددة يمكن تصنيفها تحت عنواني: ما هو الحجم الذي يمكن أن أبلغه؟ وما هو مدى الكمال الذي يمكن أن اصل إليه؟ فطرحت الأسئلة التالية:

ما هو الحجم الذي يمكن أن أبلغه؟

هل أنا أكثر مما يتوقع الناس مني أن أكون؟ هل يمكن لتوقعاتهم أن تساعدني على أن أزداد حجما؟ غلى اي مدى يمكن أن استغل مهاراتي وتجاربي؟ إلى اي مدى يمكنني المجازفة؟ إلى أي عمق يمكن أن أنظر إلى داخلي؟ كم يمكنني أن أكون مبدعا في تعاملي مع الأشياء ومع الناس؟ كم يمكنني الإقتراب من الناس؟ إلى أي مدى يمكنني أن أشجعهم على التغيير وأن أؤثر فيهم؟ كم يمكنني أن أحب الناس وأن أهتم بهم؟ ما هو المركز الذي يمكن أن أحتله في محيطي؟ هل يمكن أن أتبوأ منصبا رفيعا بحيث يمكنني المساهمة في تغيير مجتمعي؟ ما هو المركز الذي يمكن أن أحتله في المجال السياسي والعالمي؟ ما هي الدرجة التي يمكن أن أبلغها في مجال التعلم والفهم والعمل؟ إلى أي مدى يمكنني سبر أغوار أسرار العال؟ ما هو واقع صحي البدنية؟ وما هو مدى مسؤوليتي عن حياتي الخاصة؟ إلى أي حدّ يمكنني مساءلة الآخرين عما يفكرونه بي؟ هل أستطيع أن أكون أكبر مما ينبغي؟ من الذي يسيطر على الأمور في حياتي؟ هل هناك، في مكان ما، من يراقبني ويمنح حياتي معنى؟ هل ذلك المراقب كائن أستطيع أن أكون على صلة به؟ هل أستطيع مشاطرة الآخرين أفكاري ومشاعري مهما كانت ؟ ما هي تصوراتي ومخاوفي؟ عندما أشعر بضعفي، أين يمكنني الإلتجاء إلى حين أشعر نفسي جاهزاً لإكتشاف واختبار كم كبيرا يمكن أن أعود؟

 

إلى أي حد من الكمال يمكن أن أصل؟

هل من البلاهة أن أشعر بأني صغير وكبير في آن واحد؟ أم أن ذلك أمر لا بأس به؟ أو أنه شيء مستحسن؟ هل يمنعني ذلك من التصور بأني قد أتضاءل إلى درجة التفاهة من جهة، أو بأني قد أفوق الآخرين فأرزح تحت ثقل مسؤولياتي التي أحملها بالنيابة عن كل الناس من جهة أخرى؟ هل أنشد الكمال؟ ألا يعني ذلك أنّ علي الإقرار بأنّ فيّ نقاط ضعف أحاول تجاهلها، نقاط ضعف تبعث في القلق، نقاط ضعف لا تنسجم مع الصورة التي أريد أن أكونها عن نفسي؟ هل يمكنني التخلص من نقاط الضعف تلك أو على الأقل أن اسيطر عليها؟ أم أن هناك ما يمكن عمله بها؟ هل سأكون مقبولا لدى الناس إذا عرفوا حققة أمري؟ هل يمكنني الإعتراف بأن في الآخرين كما في خليط من نقاط ضعف ونقاط قوة لكن بدرجة متفاوتة؟ هل يمكن أن يساعدني ذلك على فهم الآخرين فهما أفضل والإهتمام بهم إهتماماً أكبر؟ هل يمكن أن يساعدني ذلك على فهم نفسي والإعتناء بنفسي أكثر، فأحب قريبي كنفسي؟ ماذا لو شعرت باحتياجات ملحة بل ساحقة: كالحاجة إلى بيت أو إلى طعام على سبيل المثال؟ كيف يا ترى أتصرف فيما بعد إذا لم تلبي تلك الإحتياجات؟ أم أنه بالرغم من عجزي لا يزال بإمكاني القيام بعمل ما؟ هل بإمكاني أن أكون كاملاً بقواي الذاتية، أم أن اكتمالي يعتمد جزئيا على مساعدة الآخرين لي؟ إلى أي حد يعتمد هؤلاء الذين تربطني بهم علاقة مباشرة علي وعلى بعضهم البعض في مجال اكتمالهم؟ هل من مجال لأن أختبر الشعور بالتضامن مع الخليقة كلها؟ وإذا كان هناك مجال فهل من الممكن الإحساس بهكذا علاقة وهكذا تضامن لا مع امحسوس وحسب بل مع من يقف وراء الحياة النابضة والذي يطيب للبعض أن يدعوه "الله"؟

 

 

7- صميم التقدم الروحي

لكي يتسنى للتقدم الروحي أن يتم، نحتاج إلى أن ندرك ونقبل بعضَ ما في أعماقنا مما نود غالباً ألا ننتبه غليه ولا نريد بالتأكيد أن يُكشف للآخرين. التقدم الروحي هو بمثابة سعي إلى الكمال، وبالتالي الإنسان بكليته يجب أن يشارك في هذا السعي. هذا الشيء العميق في داخل كل إنسان إتّخذ أسماء متعددة بقصد وصفه وشرحه. بعض تلك الأسماء يبدو أكثر وضوحاً من غيرها بالنسبة لبعض الناس. فمنهم من سماه ب" الروح"، وهذا هو الإسم التقليدي. أما يسوع فقد دعاه ب "الحق". البعض الآخر سماه ب "النور الداخلي" أو "اللب" أو "المساحة الداخلية" أو "قاعدة كياننا" أو "المركز الحق" أو "القوة في العمق"، الخ...

هذه وتلك ليست سوى محصلة لمحاولات جادة لوصف ما لا يمكن وصفه لأنه ذلك الجزء من كياننا الذي يشكل إنسانيتنا ويتيح لنا ان ننضج كبشر، ومن ذلك المركز فقط نستطيع أن نسعى إلى الكمال ونكتشفه. ربما هذا هو المقصود بعبارة "مصنوعون على صورة الله".

التقدم الروحي يحدث عندما ندع تجاربنا الحياتية تعمل في هذه المساحة من كياننا، بحيث تتأثر شخصيتنا بأكملها وتتطور. فقط عندما يحدث هذا يتم اللقاء الحقيقي مع أنفسنا ومعه تعالى. هناك فقط يمكن للبشر أن يَلقَوا الله.

عندما يتم هذا اللقاء، يأخذ الناس بالنمو. يمكن أن يحدث النمو الروحي بأشكال متعددة وإنطلاقا من تجارب حياتية متنوعة، وبخاصة من تجربة ومغامرة العمل الكشفي بالنسبة لنا. الكلمة المستحدثة التي تصف عملية النمو الروحي هذه هي التضامن. وهذا يستلزم فينا إحساسا بالوئام ووعيا للكمال. وفي نفس الوقت تحتاج إلى إدراك أن هذا النمو هو عملية مستمرة، أحيانا بطيئة، وأحيانا أخرى فاشلة مما يستدعي أن نكون في صراع دائم.

ومع أن التقدم الروحي يهم الجميع، سواء أكانوا مؤمنين أم غير مؤمنين، إلا أنه من الصعب عدم اللجوء إلى استعمال المفردات الدينية وفي نهاية الأمر من الصعب جداً عدم التطرق إلى الله. في العقيدة المسيحية يتم التعبير عن هذا المفهوم من خلال الإيمان بأن يسوع مات على الصليب وقام ثانية وبأن الإنسان أيضا سيقوم هو الآخر من الموت إلى حياة المجد. ربما لا يجد هذا الإيمان سبيله إلى عقلي، لكنه بالتأكيد لن يجد سبيله إلى قلبي إلا إذا أضفى معنى على تجربتي الحياتية الآن. فالحياة البشرية والتجربة الحياتية ليست بالأمر الساكن بل هي متغيرة أبداً. فكلنا نختبر التغيير والإفتراق وخيبة الأمل، وهذه كلها بشكل من الأشكال تجارب موت عنهم ينجم، لو شئنا، حياة جديدة وعلاقات جديدة وقيامة.

أما بالنسبة لغير المسيحيين، فمن المهم أن يكتشف هؤلاء في دينهم الخاص مفردات ومصطلحات دينية لها علاقة بموضوع النمو الروحي. وإنه من المفيد جداً أن يدرك العاملون معهم وُجُهات نظرهم فيما يتعلق بموضوع التقدم الروحي.

 

البعد المسيحي

يؤمن المسيحيون بأنه يمكن التعرّف على الله من خلال تجارب حياتية "دينية" مباشرة وواضحة ومن خلال تجارب "عادية". بعض المسيحيين يعتقدون أنه من الممكن لقاء الله من خلال التبشير المباشر والأسرار والإيمان بيسوع المسيح.

إليكم بعض التصريحات عن البعد المسيحي للنمو الروحي، مع أنه بعضها يمكن أن ينطبق على ديانات أخرى:

النمو الروحي يحصل ويصبح ممكنا عندما:

نكتنشف إيمانا شخصيا بالله.

نكتشف الإيمان في إطار حياتنا.

نختبر عمل الروح القدس فينا، الروح الذي يوجهنا ويلهمنا ويرشدنا ويفاجئنا.

نتعرف في الكتاب المقدس على قصص علاقة الله بشعبه وعلى حياة يسوع وأعماله.

نلجأ إلى الصمت ونمارس التأمل وندرك قيمة العبادة والصلاة.

نكتشف الصلة بين الصلاة والحياة والعمل في المجتمع المباشر والأوسع من خلال العمل السياسي والإجتماعي.

نلتقي المسيح في الغير وفي احتياجات العالم.

نكون على علاقة حية بالله الذي يتحرك صوبنا باستمرار

نعرف قدرة المسيح ومحبته.

 

 

8- عالم الشباب الروحي

لقد تأثر شباب اليوم روحيا بالأزمة الحادة التي مرّ بها المجتمع باسره والتي ما فتئت تزداد حدة منذ الستينات. غنها ليست أزمة إقتصادية وحسب بل أزمة تشمل جميع مناحي الحياة . فا هي الأوجه في المجتمع التي لها علاقة خاصة بدور العمل الكشفي التربوي؟

في العديد من المجتمعات، تحطمَ قالبُ القيم التقليدية، تلك القيم التي كانت للشباب بمثابة البوصلة من النواحي الثقافية والأخلاقية والدينية: كانت تلك القيم تشكل نقاطا مرجعية تعطي المعنى للتراكيب الإجتماعية ولإنماط الحياة.

فظهرت أنماط حياة جديدة كمحصلة للتغيير الإقتصادي والإجتماعي وللتقدم التكنولوجي وكنتيجة لتأثير تلك التغييرات على الأفراد.

كما أن دور الأسرة التقليدي قد تلاشى في بعض المجتمعات فترك الشباب العش الوالدي بحثا عن العمل. فخرجوا من الإطار الذي كان بالنسبة لهم بمثابة الدرع الواقي من الناحيتين الإجتماعية والعاطفية وحتى من الناحية الروحية. وقد عمل هذا على تطوير شعور لديهم بعدم الأمانة وهذه بدوره جعل منهم، مع مرور الزمن، والدين وجلين لأولاد غير آمنين.

وحتى في العائلات التي لم تتعرض للتفكك، لم يعد الأولاد على صلة مع ذويهم كما كان الأمر في الماضي.

كذلك لم تعد الحمولة أمراً مالوفا خفت العلاقات بين الأقارب؛ من جهة أخرى أصبح الغموض يكتنف دور الأب كما أخذت الأم تنشغل بأمور الوظيفة أو انها ترزح تحت عبء الأعمال البيتية.

من جهة أخرى تركت المخترعات الجديدة بصماتها على قناعة العامل بوظيفته، تارة إيجاباً وطوراً سلبا.

أما البطالة في محيط الشباب فقد زادت الطين بلة، لأن شبح البطالة قد يلقي بظلاله على العملية التعليمية ويفرغها من مضمونها ومن هدفها. البطالة تجرد الإنسان من كرامته وقيمته كإنسان. البطالة تفكك المجتمع وتتمخض عن جماعات غاضبة يائسة، إزاء مستقبل غير مضمون. أصبح الحاضر ذا أهمية قصوى بالنسبة لحياة الشبا. لكن عن هذا الإهتمام الزائد بالحاضر قد تنجم تصرفات تفتقر إلى التوجيه السّوي.

الوضع الإجمالي إذا لا يشجع الشباب. فسباق التسلح، والصراعات داخل البلد الواحد والجوع والفقر ، هذه كلها يمكن أن تطغى على الشباب إلى درجة أنهم يأخذون يشعرون بالإطواء على أنفسهم وبالإغتراب عن مجتمعهم.

 

  الجزء الأول - الجزء الثاني