المغامرة الروحية

في مجال العمل الكشفي

إستكشاف المغامرة والتقدم الروحي.

 

 تأليف: كيفن لانيجان

المرشد الروحي للكشاف الكاثوليكي الإيرلندي

  

ترجمة: هشام ضباعين

المرشد الروحي للكشاف الكاثوليكي الفلسطيني


 تحضير الأب ريمون عبدو الكرملي

 

  الجزء الأول - الجزء الثاني 

 

9- دور القائد

تُمارَس هذه الضغوط على جميع الشباب دون تمييز، حتى على أولئك الذين نشأوا ضمن تقاليد دينية وأدبية واجتماعية قوية. إنه ربما الحاجة الماسة إلى قيم مطلقة وثابتة التي تمثل أحد الأمور الجذابة لإنخراط الشبان في ذلك "التطرف الديني" الواضح سواء عند بعض المسيحيين أو عند بعض المسلمين.

هناك حاجة ماسة لأشخاص لديهم وظيفة "ريادية"، أشخاص باستطاعتهم إرشاد الآخرين بمجرد حضورهم أو بكلامهم.

نحن بحاجة إلى أناس يدركون الجوانب الإنسانية للمغامرات الكشفية التي هي ليست مجرد مغامرات عملية وحكيمة.

نحن بحاجة إلى أناس يعرفون أن عملية التقدم الإنساني تستلزم أن يحافظ الفرد على إحساس بالإعجاب بالحياة وعرفان جميل لها ولما تقدمه: هذا الإحساس هو أصل كل متعة وعناية وتقدير وبدونه يكون الفرد مشوها إلى حد كبير.

نحن بحاجة إلى أناس يعرفون أنه من المهم جداً أن تكون العلاقات الإنسانية مبنية على أساس متين من الإحترام لكل البشر بل ولكل الكائنات الحية.

نحن بحاجة لأشخاص بمقدورهم مرافقة الشباب في حياتهم. أناس يجرأون على الشك والسعي والتعبير عن شكوكهم وأخذ الشباب على محمل الجد. أناس يريدون أن يكونوا لغيرهم بمثابة العين والأذن والقلب. أناس دأبهم مساعدة الآخرين في المحافظة على شخصيتهم المميزة وعدم الذوبان في شخصية الآخرين. أناس يجذبون الآخرين ولا يهابون التحدي من حين لآخر. أناس لديهم مخطط ديني ملائم يقدمونه للشباب. أناس مستعدين لخوض المغامرات والسعي وراء الحقيقة وسبر غورها لا معالجتها نظريا بأجوبة وحلول مستوحاة من الدين. ومن المنظور المسيحي، أناس يمكنهم حمل الشباب على إستشعار رسالة إبن الناصرة المحررة والسير في خطاه.

 

معرفة الذات

إن العامل الأهم في مجال التأثير على نمو الشباب هو بلا شك تصرف القادة بصورة إنسانية معهم. لهذا السبب ينبغي على القادة معرفة ذواتهم ودوافعهم الشخصية عند إنخراطهم في العمل الكشفي.

فبعض القادة انضموا اصلاً إلى الحركة الكشفية بصورة عرضية، من دون أن تكون لديهم النية الحقيقية في الإلتزام. أجل بعضهم أصبح في مركز القيادة من خلال عملهم مع الكشاف والبعض الآخر من خلال إلتزامهم إلى درجة أنهم لا يتصورون الحياة من دون حركة كشفية. لكن بالمقابل منهم من كان لديه دوافع لا تمت إلى الكشاف بصلة. هذه الدوافع تتراوح بين الشخصية منها (رد معروف) إلى المثالية (إهتمامهم بالشباب) أو إلى حاجة داخلية (وسيلة بقاء على قيد الحياة).

ينبغي على القادة أن يقروا بأن القيادة لا تعني "العطاء" من جهتهم "والأخذ" من جهة مرؤوسيهم. فالقادة أنفسهم يستفيدون من هؤلاء، لا بل أنه، في بعض الحالات، أدى المرؤوسون ببعض القادة إلى تقييم حياتهم من جديد وتغييرها إلى حد ما.

ما لم يستمر القادة في المحاولة جاهدين لتحقيق نموهم الروحي الشخصي، فسيكون من العسير جدا عليهم حمل الشباب على إلزام أنفسهم بإيمان معين لأنهم سيكونون غير واثقين تماما بما يعتقدون ليتسنى أن يتبلور حوار ما. ومع ذلك فإن الحوار قد ينفع الطرفين وبخاصة إذا كان يعالج موضوع النمو الروحي نفسه.

يرى العديد من القادة أنفسهم نموذج يجتذي به الشباب في مجموعاتهم. لكن، في موضوع النمو الروحي، السؤال المطروح هو: هل النموذج الذي يودون تقديمه هو لكائن بشري حقيقي ام أنه لكائن خيالي مثالي؟ فالمعنيون بتقديم نموذج مثالي يعملون عادة على إخفاء خصالهم لإعتقادهم بأنها غير لائقة أو أنها تعارض صورتهم المثالية. فيشعرون بالراحة عندما يقاسمون الآخرين إستنتاجاتهم ومعرفتهم أكثر من مشاطرتهم كفاحهم وما تعلموه من تجاربهم. فالنمو الروحي ينجم عن إثارة مسائل ومحاولة حلها. إنه يخص بشرا حقيقيين غير كاملين لكن يعملون جاهدين على بلوغ الكمال قدر المستطاع. وبما أن العلاقات ذات المغزى يمكن أن تكون أفضل دعم للشباب بل ولكل واحد في مجال النمو الروحي، فإن النموذج البشري الواقعي هو الذي سيفيدهم لا النموذج المثالي.

 

العلاقات مع الآخرين

بالنسبة للكثيرين، تعتبر العلاقات الشخصية الخاصة أفضل وسيلة للتأثير على مجرى حياتهم. فعندما ينتقل الشباب من مرحلة الإعتماد على الآخرين إلى مرحلة الإستقلال أو مرحلة الإعتماد المتبادل، تزداد رغبتهم في إقامة علاقات أكبر وأشمل.

يريد الشباب قبل كل شيء أن تترجم تلك العلاقات إلى تقديرهم كأشخاص وتمكينهم من مقارنة أحدهم بالآخر، وفسح المجال أمامهم لإتخاذ قرارات في حياتهم ومواجهة قساوة الواقع ولعب دور في الحياة العامة وتحمل مسؤولية الآخرين واختبار العطاء والأخذ وتبادل الآراء واختبار إدراك احتياجات الغير.

يتوقع الشاب من قائده التقدير والتفهم وقبله كما هو على علاّته لكي ليس بالضرورة الموافقة على حاله وعلى كل ما يعمل، بل مجرد التعاطف معه في مثالياته ونقاط ضعفه. وهذا الأمر له بعد روحي في الدين المسيحي الذي يهدف إلى الوصول لأسمى الدوافع وأخطرها في الشخص البشري: كفاحه من أجل حريته. فالشاب يشعر بتقدير الناس له عندما نسعى إلى تأمين تلك الحرية له وبالتالي تحقيق دعوته.

ومن الجدير بالملاحظة أن لجميع ديانات العالم ما تقوله في موضوع العلاقات والإهتمام بنوعية تلك العلاقات. فالعلاقات المبنية على التفاهم والمحبة عامل أساسي في حياة الأفراد والمجموعات والهيئات على مختلف انواعها وأحجامها.

 

تشجيع التأمل والصمت

إن قيمة أي تجربة حياتية ومدى فعاليتها كدليل على النمو الروحي يمكن أن تزداد لو أتيح الوقت للتأمل فيها لاحقا مع اناس منفتحين ومرهفي الإحساس. فالعمل المشترك يمكن أن يؤدي إلى اكتشافات يعجز عنها الفرد عندما يعمل بمفرده. إلا أن التوقيت الصحيح للتأمل والإستعداد العاطفي له لأمر مصيري وإلا فإن النتيجة يمكن أن تكون مدمرة بدلا من أن تكون بناءة.

أحيانا تهدر الفرص إما بسبب الإستعجال أو لأن القادة لا يعرفون كيف يمدون يد العون. ومع ذلك يحدث أن يكون وقت التأمل غير مناسب: عندما يكون هناك نشاط مهم على سبيل المثال أو عندما تستدعي الحاجة إلى القيام بعمل مستعجل. في مثل تلك الحالة يكون الجو عادة غير ملائم وبالتالي أي محاولة للقيام بتأمل موضوع ما قد تبوء بالفشل أو تتحول إلى نكتة سمجة.

في هذه الحالة قد يكون الصمت نوعاً آخرا من أنواع التامل. الصمت يعني الإنشغال بأمر آخر: ربما الوحدة، أو العجز، أو النفور، أو التعب. لكن هناك ظروف يكون فيها الصمت نوعا من أنواع التفكير والإعجاب والسكينة والترقب...

التأمل والنقاش كلاهما يمكن أن يؤديا بنا إلى نقطة حيث لا شيء، على ما يبدو، يكمن وراءها. نصل إلى حد معين، إلى حاجز لا يمكننا تجاوزه. فإذا ما تحلينا بالصبر ووقفنا عند هذه التجربة الحياتية يمكن للصمت أن يأخذ في تهدئة خواطرنا وقلوبنا. فيتوقف الإضطراب. أو قد تنتابنا فجأة قوة لم تكن نحلم بوجودها فينا فيتسنى لنا بواسطتها أن تنجز ما باشرنا به.

نفس الشيء قد يحدث أثناء الصلاة الرسمية التي يعتبرها بعض القادة العنصر "الروحي" الرئيسي في مجال عملهم. لكن قد تقتصر الصلاة إما على الطلب او الحمد، وأية فترات تفكير تتضمنها تكون عقيمة لا تتخللها أي لحظات صمت.

التأمل والصمت اللذين من هذا القبيل يمكن أن يحدثا في أي مكان: في البيت، في مكان العمل، في الطريق، في المتجر...

إن التوتر في تزايد مستمر ويشكل عنصرا هاما في حياة الشباب ويلعب دورا كبيرا في إنهيار العائلات مع ما يجره من آلام ومشاكل. فالشباب يعيشون باستمرار تحت ضغط متطلبات الحياة المادية. من المهم إذا حثهم على تخصيص بعض الوقت للتفكير. كذلك قد يجد القادة أنفسهم يرزحون تحت ضغط الوقت ويلجأون إلى فرض سلطتهم على الشباب بدلا من تشجيعهم على تطوير شخصيتهم وبذلك لا يدعون مجالاً للأمور المتعلقة بالنمو الروحي.

 

العواطف

إن علاقات الواحد بالآخر تتطور عندما يأخذ كل واحد بمعرفة ما يشعر به الآخر. فالكل يعرف أهمية الأمانة العاطفية تجاه الذات وتجاه الآخرين. والعديد من المجتمعات والديانات تركز على أهمية كبح العواطف لكن شتان ما بين قمعها كأن لا وجود لها وبين التحكم فيها بطريقة معينة بحيث لا تطغى علينا فنسخرها للإبداع والإبتكار. بعض القادة والشباب يجدون حرجا من إبداء عواطفهم. والبعض قد لا يميزون بينها. العواطف يمكن أن تتطور وتتبدل.

النمو الروحي يهدف إلى تسخير العواطف لمصلحتنا لا لقمعها أو للإستسلام لها.

فقد برهن العديد من علماء النفس المعاصرين ما ينطوي عليه قمع العواطف من ضرر على نمو الفرد، وما ينطوي عليه من فائدة عندما يتم التعبير عنها في جو من الثقة والأمان. اذا كانت عواطفنا غير مقبولة فإننا سنشعر باحتقار الناس لنا وسنفشل في تقدير أنفسنا وتقدير الآخرين لنا حق القدر. فيكون رد الفعل إما إتاحة المجال للعواطف بأن تتحكم لنا أو إماتتها وبالتالي فقدان حيويتنا الإبداعية وقدرتنا على التواصل مع الآخرين وفهم مشاعرهم.

يمكن أن يكشف الأفراد عواطفهم بشتى الطرق؛ كما يمكن أن تؤثر شخصيتهم الخاصة على كيفية التعبير عن تلك العواطف. لذلك فإن وظيفة القادة تقوم جزئيا على ان يكونوا حساسين إزاء تلك المتغيرات وأن يحاولوا خلق جو فيه يتم إحترام عواطف جميع الحاضرين.

 

المؤسسات الدينية

من المعروف أن العديد من الشباب يجدون صعوبة في "الذهاب إلى الكنيسة". ربما لأن توقعاتهم أكبر من الواقع أو لأنهم لا يجدون الإهتمام الكافي بوجهة نظرهم وتساؤلاتهم المفعمة بالنشاط التي تعزز النمو الروحي. ربما أيضاً لأن الطقوس الدينية موجهة نحو احتياجات وأشكال تعبير تلائم جيلا قديما. ربما أخيرا لأن الأمور "كانت على هذه الحال دائما وأبداً"، مع أن جهودا جبارة تبذل في مجال خدمة الشباب الدينية.

بعض القادة يعتمدون على الخبير الديني ليدمج موضوع النمو الروحي إلى حد ما في برنامجهم الكشفي. لكن النمو الروحي لا يتوقف عند حد طرح الأسئلة وتقييم الإنجازات. ولا هو بدورة تدريبية نحصل في ختامها على شهادة أو شارة. أدواته الأولى المتوفرة هي حياتنا وتجاربنا ومغامراتنا. لهذا السبب خبرة الخبير الروحي يمكن أن تدخل في إطار العلاقات البشرية وحسب.

النمو الروحي مهمة شخصية تعتمد على دعم الآخرين ومؤازرتهم، وتصبح تافهة إذا ما أعتبرت مهمة المختص اللاهوتي او المرشد الروحي وحده.

 

 

10- النمو الروحي ضمن برنامج النشاطات

لا يقتصر عنصر الحياة الروحي على اماكن معينة وأنماط تصرف معينة وأشخاص معينين. فكل حالة وكل تجربة تشكل مناسبة للنمو الروحي. البعد الروحي يتوفر في كل شيء وفي كل مكان وفي إطار أي علاقة.

إليكم أمثلة مدونة أدناه. مع الملاحظة بأنه، ضمن العمل الكشفي، لا يمكن أن يوجد بيان قاطع عن العناصر الروحية لأن ما يمكن اعتباره بمثابة تطور في هذا اليوم قد يبدو مختلفا في اليوم التالي. كذلك فإن حجم التقدم الروحي أمر نسبي ويعتمد على نقطة الإنطلاق والكمال قد يشمل في النهاية أكثر مما كان متوقعاً.

 

الفنون

جميع الفنون، على مختلف ألوانها، من تصفيف الشعر إلى صيانة الآلات إلى العدد الهائل من المهارات التي ينشغل بها الكشاف، من الموسيقى إلى التمثيل الصامت، كل هذه تتيح الفرصة لممارسيها ولمشاهديها إكتشاف قدرة الإبداع الكامنة فيهم ومشاطرتها الآخرين. في بعض الحالات، يمكن ان تكون بالنسبة لهم تلميحاً لما نعنيه "بالإبداع من اللاشيء" فلأنها ليست علماً بالمعنى المتعاف عليه، تشير الفنون لما هو أبعد من المحسوس، لما هو أكبر من انفسهم. الفنون تكشف عادة شيئا ما عن قرارة نفسنا وبالتالي يمكن أن تساعدنا على الإنفتاح، كما أنها يمكن أن تكون من قبيل الترفيه وبالتالي تساعد على رفع المعنويات وتعمل على تقريب الناس من بعضهم البعض.

 

الموسيقى

الموسيقى أمر مهم للغاية بالنسبة للشباب. إنه الجهاز الذي من خلاله يمكن للأفكار أن تتقاسم وللمُثل أن تتسامى وللمشاعر أن يُفصح عنها. الإستماع إلى الموسيقى أو ممارستها مع الآخرين يمكن أن يقرب الناس من بعضهم البعض وأحيانا يمكن أن تحرك وترا في القلب تعجز الكلمات عن وصفه. الموسيقى وسيلة إجتماعية محببة بواسطتها يمكن للحس أن يتطور وللمخيلة أن تزدهر وللإحساس بالنشوة أن يُختبر.

أن الفنون المرئية يمكنها أن تحفز النمو الروحي بصورة مشابهة. فالذين يجدون صعوبة في التعبير عن أنفسهم بالكلام يمكنهم أن يلجأوا إلى الفن فيكبرون في أعين الناس وفي أعينهم.

 

الرقص والتمثيل

الرقص والمسرح والتمثيل الصامت يسمح للجسم بالإسترخاء وتحسين الأداء. فالرقص والتمثيل يعطي من يمارسه إمكانية إحياء جوانب من شخصيتهم ربما لم يكونوا يدركون وجودها ولِبَث عواطف عادة يستعصي مشاطرتها أو غير مستساغة من الناحية الإجتماعية. من هذا المنظور يمكن لهذه الفنون أن تساعد على إكتمال الشخصية ومعرفة الذات ومعرفة أفضل والتعبير عن أشياء كان يبدو أنها غير قابلة للتعبير.

 

فعاليات بدنية

إن الإستمتاع بالإنجازات البدنية يمنح الشباب إحساسا رائعا بالإعجاب والثقة بالنفس، إحساسا عظيما بالنجاح بخاصة عندما يكون ذلك غير متوقع أو عندما يكون الشخص يعاني من بعض الإعاقات. الفعاليات البدنية والرياضة تبقى إحدى النشاطات القليلة التي فيها يكون الجسد موضع إحترام وتقدير طالما لم يتم استغلاله لأغراض مادية.

 

السير الطويل على الأقدام والرحلات

إن العمل الكشفي نشاط خارجي بالدرجة الأولى حيث يتسنى للشباب أن يكونوا على إتصال بالطبيعة والعالم الواسع من خلال النزهات الراجلة والرحلات. أما المعنى الروحي للرحلات فيتغير بتغير الفرد. فإما يكون تجربة حياتية مثيرة من خلال إكتشاف شيء ذي قيمة في الرحلة، أو يكون المكان المقصود إليه نفسه، أو ما يحدث في الرحلة، أو أي شيء عرضي وغير متوقع.

إن الرحلات بنوع عام والحج بنوع خاص ينطوي على أهمية كبيرة في معظم الديانات، لأن الرحلات ذات الطابع التأملي يمكن أن تكون مناسبة للنمو الروحي.

قد تلعب الرحلات، شأنها في ذلك شأن أي شيء آخر، دوراً ما في إتاحة الفرصة لإكتساب خبرات قيمة. مع ذلك فإن التحدي والخوف والإرهاق الناجم عن الرحلة يمكن، إذا ما امتزج بالإحساس بالإنجاز، أن يكون ذا مغزى بالنسبة للنمو الروحي يوازي ذروة الرحلة نفسها.

 

التخييم

التخييم نشاط خاص بالكشاف يعتبر تجربة حياتية رائعة بالنسبة للشاب، لأنه يحقق أمراً فريداً قلما يحدث أثناء النشاطات اليومية. أثناء التخييم يحتك الشباب بعضهم ببعض ويختبرون متعة الحياة الجماعية وصعوبتها في ظروف مختلفة. وينتهي الأمر عادة بأن تتحول المجموعة الى جماعة تربط بين أعضائها علاقة أخوة. كما أن القائد يصبح حراً أكثر في الإعتناء بالمجموعة ككل وفي خلق مناخ من الثقة المتبادلة والإتصال الأفضل.

إن التخييم إذا ما صاحبه إشعال نار ورواية قصص ونقاش ورحلات في الطبيعة وفعاليات دينية يشكل فرصة لا مثيل لها لحدوث النمو الروحي.

 

ما يجب أن يتوفر في القائد

"ينبغي على الناس أن يقوموا بالتعبير عن أنفسهم والتصريح برأيهم في موضوع النمو الروحي إذا ما أرادوا تعزيز ذلك النمو عند الآخرين. المحافظة على الصمت لا يجدي فتيلا، لأن الشاب سيفترض بأن الأمر ليس في الواقع بتلك "الضرورة الملحة".

إذا أراد القادة أن يكونوا منفتحين على حقيقة حياة الشباب، ينبغي عليهم إداراك أهمية القيم والتقاليد والمعتقدات. ينبغي عليهم أخذ الشباب على محمل الجد والإصغاء بانتباه إليهم والتجاوب معهم بإيجاب يقينا منهم بأن لدى الشباب الكثير ليلقنوه للبالغين وللتعلم منهم.

 

 

11- المرشد الروحي

تقدير وارتباك

هناك تقدير عظيم للمرشد النشيط على خدماته الدينية الحقيقية، وعلى العلاقات التي يوطدها مع الشباب والقادة، وعلى كونه "وسيطا نزيها" ومحايدا يعكس مصلحة الكنيسة المحلية وجماعة الشباب.

ومع ذلك هناك إرتباك فيما يتعلق بدور المرشد الروحي.

فالمجموعات الكشفية قلما ترى المرشد إلا أثناء تأديته المراسيم الدينية أو حضوره حفلات التنصيب فيعتقد أن دوره يقتصر على ذلك. كما أن العديد من المرشدين ينظرون بعين الرضى إلى الكشاف كحركة شبيبة تصقل الأخلاق، لكنهم يخفقون في رؤية تلك الحركة كرديف لهم في رسالتهم التبشيرية وجذب الناس إلى السيد المسيح. واليوم بالطبع ليس من الضروري أن يكون كل المرشدين كهنة بل يمكن أن يكونوا رهبانا أو علمانيين مؤهلين.

 

إمكانيات المرشد

من الواضح أن الشباب يزدادون يوما بعد يوم جوعا إلى إخبار "قدسية " الحياة. فالكشاف حركة شبابية تستهوي بطبيعة الحال الشباب واهتماماتهم إلا انها لها بعدا روحيا فطريا قد يتمثل في اكتشاف الطبيعة او اكتشاف الذات او إكتشاف العالم والمشاركة في مغامرة الله الإبداعية.

بادن باول، مؤسس الحركة الكشفية يعبر عن ذلك بقوله:

"الدين لا يدخل في العمل الكشفي لأنه موجود فيه أصلاً بل هو العامل الأساسي وراء العمل الكشفي والإرشادي".

"العمل الكشفي لا يسعى إلى إضعاف العقيدة الدينية عند الأفراد بل إلى تقويتها. فالقانون الكشفي يستدعي أن يمارس الكشاف كل واحد شعائر دينه بأمانة وإخلاص".

إن العمل الكشفي أم مميز بسبب "الوعد والقانون"، كلمتان على قدر كبير من رؤية إنجيلية للحياة.

 

روحانية الشباب

إن رؤية الحياة وأسلوبها المكرسة في "الوعد والقانون" وقيمه من جهة، وهدف الحركة الكشفية الرامي إلى المساهمة في تطوير أعضائها من جميع النواحي، بما فيها الناحية الروحية، هذا كله يجعل من العمل الكشفي نشاط روحي خاص بالشباب وفرصة للمرشد الروحي لإيقاظ "روح الإيمان" عندهم وحثه فيهم.

 

المرشد والنشاط الروحي

إن الدستور الكشفي ينص على أن: "...المرشد الروحي هو المسؤول عن التنمية الروحية للمجموعة ولأعضائها...".

إلا ان التنمية الروحية في الحركة الكشفية ليست مهمة المرشد الوحيدة، بل هي أيضا مهمة الفريق الكشفي البالغ الذي ينتمي إليه المرشد كأحد أعضائه.

لأن المرشد يعمل كعضو في فريق. أما أعضاء الفريق الآخرون فهم متطوعون يعملون مع الشبيبة ويوظفون مهاراتهم وإمكانياتهم ووقتهم. فالقادة لديهم مهارات عديدة من بينها مهارات قيادية. هم أيضا قطعوا مرحلة التدريب وبالتالي لهم إحتياجاتهم الشخصية الخاصة.

المرشد الروحي يوآزر القادة ويبدي وجهة نظره، ويعمل على تنميتهم الروحية من خلال العمل الكشفي ومساندته لهم على مشاطرة إيمانهم الخاص مع الشباب. لا يحتاج القادة أن يكونوا "خبراء" في مجال الأمور الروحية، إلا أنهم، أحيانا كثيرة، ينجحون أكثر من المرشد الروحي نفسه في ولوج حياة الشباب والتأثير عليهم من الناحية الروحية بفاعلية أكبر. إن المرشد الروحي يساند القادة في إتخاذ قرارات حكيمة في موضوع الإيمان تستهوي الشباب الذين في مجموعاتهم.

المرشد الروحي هو الذي يعمل على أن يتفتح الشباب وأن يكتشفوا إمكانياتهم. لذا ينبغي عليه أن يكون لهم كالماء بالنسبة للأرض، وللقائد كحبل نجاة كما أن القائد هو حبل نجاة للكشاف. كذلك يمكنه أن يكون بمثابة نقطة تركيز لأفراد المجموعة، يوجه عملهم ونشاطهم سواء في مجال العبادة والصلاة أم في مجال الخدمة. كما ينبغي عليه أن يكون منشطاً لكل عضو بمفرده فيساعده على المساهمة الشخصية في العمل الكشفي. إنه رمز الطبيعة الروحانية التي في كل واحد منا، وحلقة الإتصال بالعالم الخارجي وعلامة وحدة مع العالم الخارجي، الكنيسة الجامعة، إنه كاهنهم.

 

تمكين المرشد

إن للمرشد إهتماماته الخاصة وإحتياجاته كإنسان. على غرار البالغين في الكشاف، هو أيضا بحاجة إلى اجتذاب نحو العمل الكشفي. بحاجة إلى من يشرح له بكفاءة رؤية العمل وأهميته بحاجة إلى أن يدعى للإنضمام إلى الحركة الكشفية وللمساهمة فيها. بحاجة إلى مشاطرة ما اكتسبه من خبرة في المجال الروحي في إطار مغامرة العمل الكشفي.

إنه بحاجة، كشخص مهمته لفت إنتباه الشباب إلى الروحانيات، إلى الوعد والقانون، أن تتاح له الفرصة، بل إمكانية التحدي للقيام بتلك المهمة على مستوى الفرقة والمجموعة والمجلس الإقليمي.

 

المفوضون وقادة الوحدات

هؤلاء الذين يتحملون مسؤوليات خاصة عن الشباب في مجال العمل الكشفي كالمفوضين وقادة الوحدات لديهم دور خاص لمؤازرة المرشد الروحي، يتمثل في إقامة علاقات جيدة معهم وإطلاعهم على كل أمر ودعوتهم إلى الإشتراك في اجتماعاتهم وفعالياتهم بقدر ما يسمح لهم وقتهم. وبعكس القادة الذين يكرسون جل وقتهم للعمل الكشفي، فإن المرشد الروحي يمكنه أن يساهم بجزء من وقته فقط. إن القادة اليافعين يمكن أن يكونوا منشغلين بالمهمة التي بين أيديهم كما يمكن أن يخجلوا من المرشد لكونه أكبر سنا منهم؛ في هذه الحالة، يمكن أن يكون قائد الوحدة والمفوض ذا فائدة عظيمة في عملية تسهيل إندماج المرشد بالوحدة أو المجموعة.

أما المرشد الإقليمي فتقوم وظيفته على دعوة المرشدين المحليين إلى التعاضد لتوسيع وتعميق إدراكهم لأهمية الروحانيات في مجال العمل الكشفي وكيفية زيادة الوعي لمفهوم الوعد والقانون على مستوى الإقليم، وكيفية تمكين القادة من إتمام وظيفتهم فيما يتعلق بالتقدم الروحي. وهنا يأتي دور المفوض الذي يجب أن يشجع ويسهل عملية تنظيم اللقاءات بين المرشدين الروحيين وقادة الوحدات وبين المرشدين انفسهم، متيحا لهم فرصة قضاء بعض الوقت في أن يكونوا على علاقة بتدريبات الكشافة على المستوى المحلي، إذ أن مثل هذه الفرص كفيلة بدعم التأمل والتفهم والإلتزام الأعمق بالفعل الكشفي من جهة المرشدين.

لدى تعيين المرشدين على المستوى الإقليمي ومستوى الوحدات، يجب مراعاة أن يكون التعيين مناسبا قدر الإمكان.

لهذا السبب ينبغي عدم الإكتفاء بأن يكون المرشد مجرد مراقب ومتفرج بل يجب دعوته وإشراكه في العمل الكشفي إشراكاً فعليا.

 

 

12- الوعد والقانون

يعكس الوعد والقانون رؤية حياة وأسلوب فيه يمكن للنمو الروحي أن يحدث ويعاش. إنه عبارة عن مواقف عامة ومجموعة قيم مميزة، يمكن إيجازها بهذه الكلمات: أمانة، خدمة، صدق.

بعض الصعوبات

عندما نأخذ بالتعلم كيف نعيش الوعد والقانون الكشفي كأفراد ومواطنين ومؤمنين، تظهر بعض الصعوبات:

·    جهل رسالة الكشاف الحقيقية كما عبر عنها مؤسسها وجهل لأهداف الحركة التربوية الحقيقية.

·    إلتزام قصير الأمد ومحدود من جهة القادة، وفقدان معنى الخدمة.

·    إستخدام رسمي وشعائري للوعد في برنامج التدريب الكشفي.

·    إعتبار القيم المنصوص عليها في القانون الكشفي نسبية وموضع نقاش.

 

التراث الكشفي

لأكثر من 80 سنة ساهم الكشاف في عملية نمو ملايين الشباب، عن طريق إستخدامه لأسلوب مميز لصقل الأخلاق وإهتمام بالتفاصيل وإلتزام طوعي بقضايا هامة.

هذا هو تراث حركتنا الكشفية.

هل، يا ترى، ما زال هذا التراث نافعاً لعصرنا هذا؟ وهل ما زال أسلوب الحياة والقيم التي يروج لها القانون الكشفي مفيدة لعالم الشباب وعائلاتهم والمجموعات التي ينتمون إليها؟

موجز الكلام، هل من المنطقي طرح مبادىء كالأمانة والخدمة والإلتزام في عالم لم يعُدْ يقدّر هذه القيم حق قدرها؟

 

الأمانة

نعيش اليوم في عالم يرى في الأمانة أمراً شاقاً. فتصرفات جيل اليوم تناقض هذه الفضيلة؛

نلزم أنفسنا لكننا نغير الرأي لدى حدوث أي صعوبة.

نلتزم لكن غالبا لمدة محدودة لكوننا لا نعرف إن كان ذلك الإلتزام جدير بالألم الذي نتحمله أو لأننا نهاب إتخاذ قرارات حازمة.

نلتزم لكن لفترة تجريبية مفضلين "التجارب الحياتية العابرة" على الإلتزام المبدع الخلاق.

نلتزم لكن بشرط أن تكون المهام واضحة.

نلتزم لكن نتردد في إستثمار طاقاتنا بالقدر الكافي، ونكون على إستعداد دائم لتغيير وجهة جهودنا.

تنبع صعوبة الإلتزام لا من كوننا أسوأ من اسلافنا، بل من حقيقة أن لنا مفهوما آخر عن إنسانيتنا. نحن جيل الحاضر. من أنا؟ أنا جورج، أنا رجل دين، أنا اعيش في المدينة الفلانية. أجوبتنا لها علاقة بالحاضر وحسب. حياتنا لها معنى فقط الآن. اللحظة الحاضرة تهم فقط.

أما جواب أجدادنا فإنه يختلف تماما. إنهم سيخبروننا عن مكان ولادتهم، وعن مسقط رأس والديهم وعن أولادهم وعما كانوا ينوون عمله في حياتهم. إنهم سيروون لنا قصصا طويلة إنتشرت على مر الزمان. كان لديهم الإحساس بأنهم يتمتعون بالوقت حيث فكرة الأمانة لها معنى.

قطع الوعود يشكل جزءاً من كرامتنا كبشر. نقطع الوعود عند العماد، عند الزواج...نقطع الوعود في بداية كل مرحلة من مراحل حياتنا الأساسية، لكننا لا ندري ما تعنيه تلك الوعود. إننا كمن يجحد نفسه في قصة لا تعرف نهايتها ولا يعرف مغزاها. وهذا بالنسبة لجيل الحاضر أمر يصعب تدبره. ربما تستطيع فهم معنى الأمانة لو اعتبرت حياتك كقصة، لكن القصة لا تكون رائعة إلا إذا كنت تجهل إلى أين تسير وماذا سيحدث فيها.

ولقد فهم بادن باول أهمية قصص المغامرات، لهذا السبب لم يجمع الشباب ليلقي عليهم محاضرة بل ليروي لهم قصص مغامرات.

إذ توجد علاقة فيما بين قطع الوعود والأمانة وحياة المغامرة.

بالنسبة ل "بادن باول" لا يكتفي بالإصغاء إلى قصص المغامرات بل يجب الإشتراك فيها ايضا. عندما ظهر العدد الأول من مجلة الكشاف سنة 1906 كان غلافها يحمل صوة ولد يختبىء وراء صخرة ويراقب مهربين نزلوا من إحدى المراكب الغامضة. وكما دون “Jeal” في كتابه "المغزى واضح : عندما ينخرط الولد في سلك الكشافة لا يقرأ عن المغامرات فقط بل يعيشها أيضا". وتبدأ هذه المغامرة بقطع الوعد. ون يدري أين ستنتهي به!

الأمانة وقطع الوعود تعني إكتشاف معنى الحياة من خلال مغامرة الحياة نفسها. أجل إن الحياة مغامرة لأننا لا نعرف معناها في حينه ولا نعرف أين ستؤدي بنا وستتخللها مفاجآت كثيرة.

هناك نوع خاص من قصص المغامرات يجعل لحياتنا معنى ويبين لنا نتيجة الأمانة . العماد على سبيل المثال معناه أن تجد نفسك ضمن أروع قصص المغامرات، مغامرة حياة السيد المسيح وموته وقيامته، مغامرة التحدي الكبير، مغامرة الهزيمة والإنتصار المجيد. الدين المسيحي يقدم لنا أروع قصة، قصة الإله الذي يفتح القبور ويغلب الموت ويقلب الأمور رأسا على عقب.

في زمن جيل الحاضر هذا، يظن الناس أنه ضرب من الجنون أن نقطع الوعود، لأننا لا ندري ما سنؤول إليه ولا إلى أين سنذهب ولا ماذا سنصبح؟ لكننا، إذا قطعنا الوعود، لا نقطعها لكوننا أبطال أقوياء بل لأننا نؤمن بالإله الذي سينقلنا إلى ما وراء الهزيمة، إلى ما وراء الموت. نقطع الوعود لأننا لا نسمح للفشل بان يسمرنا أو يشل حركتنا.

فكل تجمع يرمي إلى التعبير عن إيماننا، وكل حفلة دينية تذكرنا بأننا  في خضم مغامرة مدهشة من شأنها أن تقودنا إلى ملكوت لا نحلم به ولا يستوعبه قلب أي بشر.

عندما اختتم بادن باول آخر مهرجان له واتخذ من البوصلة شعاراً له قال:

هذه هي الأداة التي استرشد بها الملاحون في غابر الزمان واهتدوا الى طريقهم عبر البحار. فلتكن كذلك اليوم أيضا بالنسبة إلينا أداة إسترشاد في حياتنا. إنها بمثابة الصليب الذي يدل كل المسيحيين على الطريق، لكنه أيضا صليب متعدد الأذرع الممتدة تعانق جميع الناس من مختلف الديانات.

 

الأمانة الكشفية: أن نعمل كل ما بوسعنا

نحن نعرف، كقادة، كم يمكن أن تساهم قيم الوعد والقانون الكشفي في الحياة اليومية على تطور الشخصية ونمو كل إنسان بمفرده.

كما أننا ندرك الحاجة إلى ملائمة هذا الإلتزام الكشفي لكل فرد بحسب عمره ووضعه. فالحركة لا تسعى وراء احترام نمطي للوعد والقانون كواجب خارجي. بل بالعكس تسعى الحركة إلى أن يعمل كل واحد جهده ليمارس الوعد والقانون في حياته، مع التركيز الشديد على كلمتي "يعمل" و "جهده"، لكن كل واحد على قدر طاقته.

فالعمل الكشفي يسعى وراء النوعية لا الكمية. لهذا السبب فإن حياة القادة كمثال يجتذى أمر في غاية الأهمية بالنسبة للتربية الكشفية. فالنمو الروحي يحدث من خلال مثال القائد وتركيزه على النوعية في مختلف الفعاليات الكشفية المتميزة بالجرأة والمغامرة.

في عالم يولي أهمية بالغة للخبرات العابرة، قد ننجز وراء إغواء التركيز على "الحدث". فكم من مرة على سبيل المثال نؤثر تنظيم نشاطات مدهشة في إطار العمل الكشفي على الإكتراث بنجاحها وتأثيرها أو على مساهمتها التربوية الحقيقية في مجال النمو الإنساني والروحي للكشاف؟

إن مستقبل الحركة الكشفية يتوقف على نوعية القادة. لذا نحن بحاجة إلى قادة ملتزمين بالنمو الشخصي والخدمة والشهادة لها في حياتهم. إنه مثل "الأخ الأكبر" الذي أدرجه بادن باول في برنامج الحركة الكشفية. فالأخ، وإن كان أكبر في السن، بحاجة إلى نمو بموجب نفس المجموعة القيم هذه.

 

الخدمة

يشتهر الكشاف بمفهومه "للعمل الصالح" أو "عمل الخير"،الذي ألهم العديد من الشباب ليكرسوا حياتهم للخدمة. دعونا نركز الإهتمام في المجالات التي فيها ينبغي أن نخدم، بدعم من الكتاب المقدس.

آدم، كما نعلم، هو الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. آدم هو كل واحد منا. أول مكان نلتقيه فيه هو جنة عدن, إنه المكان الذي فيه أو كل الله إليه مسؤولياته.

"ثم وضع الله الإنسان في جنة عدن ليزرعها ويعتني بها" (تكوين 2: 15)

ليس لنا أن نبحث عن مكان تلك الجنة. إنها العالم، إنها الحياة نفسها. إن كلمة "عَبَد" بالعبرية تعني العمل، وفيها تلميح إلى الإبداع والخيال في العمل. وتعني أيضا الخدمة والعبادة. من هنا فإن الخدمة ليست مجرد وظيفة ينبغي إنجازها بل هي أيضا عبادة الله واعتراف به.

وضع الله آدم في الجنة كذلك ليعتني بها. والكلمة "شَمَر" بالعبرية تعني حراسة الأرض من الحيوانات البرية والعواصف والكوارث. لكنها تعني أيضا حفظ الشريعة.

تدعونا الحركة الكشفية إذا إلى الخدمة مع كل ما تحمله هذه الكلمة من معان وبخاصة معنى الإلتزام بخدمة الله والناس أجمعين. ولنتذكر هنا نداء الله الموجه إلينا في شخص قايين عندما قال له الله: "أين أخوك هابيل" فأجابه قايين: "لا أعلم. أحارس لأخي أنا؟".

 

بادن باول، القائد وروح الخدمة

لقد شدد بادن باول على مبدأ من صميم الخدمة، أعني "الحرص". فالكشاف يجب أن يلاحظ كل صغيرة وكبيرة وأن يراقبها. والهدف من هذا الحرص، في رأيه، إشعار الناس بمودته لهم وباهتمامه بمشاكلهم وبرؤية الأمور من زوايتهم وبأخذهم على حالهم.

تتضمن يوميات بادن باول على مقطع يروي فيه قصة أحد المحاربين الذي كان عدوه وكان ينوي قتله أثناء حملة Matabele، لكنه لأنه رأى الرجل بوضوح، عدل عن إطلاق النار عليه.

فقد كانت ثيابه الحربية البيضاء والريش على رأسه وخصلة الريش الأبيض المتدلي كذنب البقرة على منكبيه وركبتيه تخالف لون بشرته الداكنة...

ثم وقف بلا حراك لمدة دقيقة تقريباً كأنه تمثال من نحاس مشنفا أذنيه لسماع أي صوت غريب. بعد ذلك تحرك بسرعة وبخفة ووضع كفيه على الصخرة ثم سقط على وجهه أمام البركة وأخذ يلعق الماء لعقا كالحيوان. ومن مخبأي كنت أسمع شفتيه ترشفان الماء رشفا من شدة العطش. فشرب وشرب وكأنه لن يتوقف، وأخيراً بعدما ارتوى إنتصب على قدميه والتقط سلاحه وشنف أذنيه ثانية. عندما لم يسمع شيئا إستدار وابتعد...لقد كنت مشدوها بالمنظر حتى أني لم أشعر برغبة إطلاق النار عليه.

هي المراقبة البحتة إذا التي جعلت بادن باول يرى في عدوه كائنا بشريا لا يجوز قتله. فبالنظر إلى الناس نكتشف كرامتهم. أجل لا أحد منا يود قتل غيره من الناس، لكن جميعنا نود السيطرة على غيرنا من الناس وتسخيرهم لخدمتنا وتنفيذ إرادتنا.

فلو أننا كقادة تعلمنا الحرص ومراقبة ما يدور حولنا في مجموعاتنا الكشفية لاستطعنا أن نخدمهم. فمحك القيادة هو هذا: هل الوظيفة تخول القادة القدرة على القيام بما كانوا يظنونه مستحيلا، هل تجعلهم ينمون ويكبرون؟

رؤية بادن باول كانت أنه عندما نخول الكشاف صلاحيات ونحمله مسؤوليات، فإنه سيتحكم بما يعمل، لأنه أهل للثقة. وأطفال المدينة الذين يكاد يغمى عليهم عند رؤيتهم نعجة، يجب أن يختبروا حياة البرية ليتعلموا الدفاع عن أنفسهم. كذلك صار بمقدورهم بناء الجسور وإشعال النار وإنقاذ الناس. الفكرة الأساسية اللكشاف تقوم على تخويل البشر صلاحيات وهذا بالضبط ما نعنيه بخدمتهم.

إن دور الخدمة هذا الذي يلعبه القائد لا يعني أنه هو وحده الذي يتمتع بالصلاحيات، والذي وحده يحاضر ويقرر ويفعل كل شيء. بل يجب أن يتيح الفرصة للشباب بأن يتفتحوا ويكتشفوا أن لديهم ما يقولونه وما يقدوموه، وأن يمكنهم من المساهمة بمواهبهم وإكتشافها وتطويرها وتنميتها إلى أقصى حد. إن القائد كالماء للأرض.

"الأولاد أشبه بالجراء ينبغي مد يد العون لهم، لكن ليس اكثر من اللازم ولا قبل الأوان بكثير. ينبغي أن يتعلموا بأنفسهم، لأن من لا يخطأ لا يتعلم أبداً".

إذا حاولت أن تعظ الأولاد بما تراه أمرا ساميا فإنك ستعمل على إرهاب أكثرهم حيوية ونشاطا، أي هؤلاء الذين تود أن تكون بحاجة إليهم..." ينبغي أن تكون لهم صديقا؛ لكن إياك أن تتهور في عملية إرساء قواعد تلك الصداقة...

"لا يقوم الإنضباط على معاقبة الطفل لعادة سيئة فيه، لكن بانشغاله بأمر أفضل يستنفذ إهتمامه ويؤدي به تدريجياً إلى نسيان العادة القديمة والعزوف عنها". بادن باول

 

 

14-خاتمة

المجازفة، تلك الغريزة الخاصة بالإنسان، موهبة من الله، صورة الله في الإنسان، غريزة تدفع بالإنسان إلى المشاركة في مغامرة الله العظيمة، المغامرة المستمرة على الدوام، مغامرة خلق العالم وإبداع الكون.

إكتشاف العالم منذ الطفولة هو خطوة نحو الله من خلال الإعجاب بأعماله. الطفل الذي ينمو ويتطور إنما يستجيب لمغامرة الحياة التي وهبه إياها الله مع قدرتها العجيبة على التطور.

عندما يبدأ الشاب باتخاذ القرارات الشخصية يشارك في مغامرة الله الذي منحه حرية الإختيار والحس بالمسؤولية.

المغامرة الكشفية تقوم على التعلم من خلال العمل. العمل الكشفي، في صميمه، هو مغامرة روحية، سعي وراء أمر جدير بالبحث، إنجاز عمل يستحق الجهد.

إن الشباب يستمتعون بالعمل الكشفي؛

"ينبغي تربية الأطفال على المرح قدر المستطاع" ومرة أخرى "يجب أن يستمتع الإنسان في هذه الحياة ما أمكن...لأنه إذا كان أحدهم سعيا، فإنه سيجعل جميع من حوله سعداء".

بالنسبة للشباب يعتبر العمل الكشفي متعة، مغامرة، مهارات لكنه أيضا، في وعده وقانونه، دعوة إلى التسامي، دعوة إلى العظمة والأهلية.

يجد القادة العمل الكشفي أمراً جديراً بالإنخراط فه، تحدياً يساهم في عملهم مع الشباب، وسبب فرح في مساعدة الشباب على إكتمال شخصيتهم. أما النمو الروحي فإنه يعتبر قمة العمل القيادي في الحركة الكشفية وأغلى ما فيه لأنه ينقل الشباب إلى ما وراء المتعة العابرة والمغامرة الحسية ويمكنهم من إلقاء نظرة إلى الوراء واكتشاف القيمة الكامنة في العمل الكشفي وبالتالي قيمتهم الذاتية ويجعلهم يزدادون عظمة وجدارة. تلك القيمة هي هبة مجانية من لله، ينبغي أن نشكره عليها وأن نتقاسمها مع الآخرين.

 

  الجزء الأول - الجزء الثاني